لماذا يحب ترامب بوتين؟

في عام 1938، وقّعت بريطانيا وفرنسا اتفاق ميونخ مع أدولف هتلر بعد احتلاله لتشيكوسلوفاكيا، وهو اتفاق اعتُبر بمثابة اعتراف بالأمر الواقع وتنازل لتفادي اندلاع حرب. منذ ذلك الحين، أصبح مصطلح “روح ميونخ” مرادفًا للضعف السياسي والانصياع الذي لا يمنع المواجهات، بل يؤجلها.
واليوم، يتساءل البعض: هل يعيد التاريخ نفسه من خلال مواقف الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب تجاه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين؟ وهل تمثل هذه المواقف نوعًا جديدًا من “ميونخ” قد يُفضي إلى التخلي عن أوكرانيا تحت ذريعة تجنب صراع عالمي؟
في اللقاء الشهير بين ترامب والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في البيت الأبيض، لوّح ترامب بإمكانية اندلاع حرب عالمية ثالثة، ملقيًا باللوم على زيلينسكي إذا رفض مقترحات السلام المطروحة، والتي فُهم منها أنها تميل لصالح روسيا.
ما حدث خلال أسبوعين فقط من نهاية فبراير وحتى بداية مارس 2025 يكشف عن تحوُّل استراتيجي غير مسبوق في العلاقات الدولية: لقاء فاتر بين ترامب وزيلينسكي، تلاه خطاب ترامب في الكونغرس، ثم اجتماع القادة الأوروبيين في بروكسل لمناقشة سبل بناء دفاع مشترك بعيدًا عن المظلة الأميركية.
في السياق نفسه، شهد مؤتمر ميونخ السنوي للأمن تصريحات قوية من نائب الرئيس الأميركي فانس، الذي أكد أن التهديد الحقيقي لأوروبا لا يأتي من روسيا أو الصين، بل من داخلها، من خلال التخلي عن القيم الليبرالية كالديمقراطية وحرية التعبير.
هذه التغيرات ليست مجرد تحالفات ظرفية، بل بداية لتحول عميق في موازين القوى العالمية، يطال الولايات المتحدة، وروسيا، والصين، وأوروبا، وينعكس بطبيعة الحال على بقية دول العالم.
في آسيا، تعيش دول مثل كوريا الجنوبية، واليابان، وتايوان حالة من القلق المتصاعد، خشية أن تتخلى عنها الولايات المتحدة كما قد تفعل مع أوكرانيا. في المقابل، هناك دول أخرى تراقب هذه التغيرات بعناية لإعادة رسم تحالفاتها.
من التحولات البارزة أيضًا، تراجع وحدة “التحالف الغربي” كما عرفناه سابقًا، إذ لم يعد يشكّل كيانًا موحدًا يستند إلى قيم أو مصالح مشتركة. فالغرب اليوم يشهد انقسامًا داخليًا بين تيارين رئيسيين: تيار محافظ وشعبوي يميني يروّج لقيم قومية تقليدية، وتيار ليبرالي يدافع عن الحريات والديمقراطية.
المثير أن الشعبوية الغربية لا تتصادم بالضرورة مع نظيرتها في روسيا أو الهند، بل تلتقي معها في كثير من التوجهات، خاصة فيما يتعلق برفض الليبرالية العالمية والنظام الدولي القديم.
من جهة أخرى، تتجه الولايات المتحدة بقيادة ترامب نحو إعادة صياغة سياستها الخارجية بشكل جذري، حيث أصبحت الأولوية للأمن القومي، وحماية المصالح الأميركية حتى ولو على حساب القانون الدولي أو التعاون المتعدد الأطراف. ظهرت هذه التوجهات في خطابات رسمية، كان أبرزها خطاب تنصيبه في يناير، وخطاب الاتحاد في مارس.
ترامب لا يقف وحده، بل يحظى بدعم واسع من اليمين الشعبوي حول العالم، من قادة كجورجيا ميلوني في إيطاليا، وفيكتور أوربان في المجر، وصولًا إلى أحزاب مؤثرة في فرنسا، وألمانيا، وإسبانيا، تتبنى رؤى متقاربة بشأن أوكرانيا وروسيا.
أما روسيا، التي كانت تطمح في الماضي للاندماج في “الغرب الكبير”، فقد وجدت في ترامب شريكًا يتقاسم معها القيم التقليدية، ويصطدم مع أوروبا الغربية أكثر مما يختلف مع موسكو.
وبالنسبة للصين، فقد ردت بسرعة على خطاب ترامب، معلنة أنها مستعدة لأي نوع من الصراع. فهي تدرك أن التغيرات الأميركية تستهدف بالأساس احتوائها، سواء من خلال التقارب مع روسيا أو عبر التحركات الجيوسياسية مثل السيطرة على قناة بنما.
هذا التقارب الأميركي-الروسي يُشكّل تحديًا كبيرًا لأوروبا، التي اعتمدت طويلًا على الحماية الأميركية. لكنها اليوم مضطرة للتفكير في استقلالها الدفاعي، رغم صعوبة ملء فراغ الدعم الأميركي، لا سيما في الملف الأوكراني.
وعلى المدى الطويل، تسعى أوروبا لتأسيس منظومة أمنية مستقلة، من خلال رفع الإنفاق العسكري، وتطوير الصناعات الدفاعية، وإعادة هيكلة الجيوش. إلا أن توحيد الكلمة الأوروبية ليس أمرًا مضمونًا، في ظل الخلافات حول من يجب أن يقود هذا المشروع.
في النهاية، العالم يمر بمرحلة مفصلية تُعيد رسم خرائط النفوذ والتحالفات، وتُظهر أن التحولات الجارية ليست مجرد قرارات آنية، بل تعكس تغييرات عميقة تقودها قوى فاعلة، ستغير من طبيعة العلاقات الدولية في السنوات المقبلة.
ويبقى السؤال المطروح: هل ينجح ترامب في إعادة تشكيل المشهد الجيوسياسي العالمي كما فعل نيكسون ذات يوم مع الصين؟ وهل نشهد تفكيكًا جديدًا لمحور موسكو-بكين؟
ما يجري أمام أعيننا ليس ارتجالًا، بل هو إعادة ضبط كاملة لقواعد اللعبة العالمية.
الجزيرة



