ما وراء الخطوط الحمر الإسرائيلية حول تدمر السورية؟
أصبحت مدينة تدمر الواقعة في وسط سوريا محور خلاف جديد بين إسرائيل وتركيا، في ظل تحركات أنقرة لبسط نفوذها العسكري هناك، وتحذيرات تل أبيب من تجاوز “الخطوط الحمراء”. فبحسب تقارير إعلامية، أبلغ وفد إسرائيلي نظيره التركي خلال اجتماع جرى في أذربيجان أن إنشاء قواعد عسكرية تركية في تدمر، خاصة في قاعدة “T4” الجوية، يُعد تجاوزًا غير مقبول.
هذه التطورات تأتي في وقت حساس، بعد سلسلة غارات نفذتها إسرائيل مؤخرًا على مواقع عسكرية في تدمر، شملت المطار العسكري وقاعدة “التياس” الجوية، في مؤشر واضح على تمسكها بمنع أي تموضع أجنبي جديد في هذه المنطقة الاستراتيجية.
تدمر: أهمية جغرافية وعسكرية لا يستهان بها
تتمتع تدمر بموقع فريد يجعلها ذات أهمية كبرى لأي قوة ترغب في بسط سيطرتها على سوريا. فهي تقع في ريف حمص الشرقي، وتضم قواعد جوية وعسكرية تعتبر من بين الأهم في البلاد. ومن أبرزها قاعدة “T4” التي استُخدمت من قبل القوات الروسية منذ تدخلها في سوريا عام 2015، حيث عملت موسكو على تطوير بنيتها التحتية وتعزيز قدراتها.
وبحسب الباحثة في شؤون الشرق الأوسط، إيفا كولوريوتيس، فإن هذه القاعدة تضم ثلاثة مدارج للطائرات الحربية والطائرات المسيرة، كما أنها بعيدة عن المناطق السكنية، ما يجعل مراقبتها الأرضية صعبة ويزيد من قيمتها الإستراتيجية.
لماذا ترفض إسرائيل الوجود التركي في تدمر؟
إسرائيل لا ترفض بشكل مطلق الوجود التركي في سوريا، خاصة أن أنقرة تحتفظ بالفعل بقواعد برية في إدلب وريف حلب الشمالي. لكن الأمر يختلف في تدمر، حيث ترى تل أبيب أن إنشاء قاعدة جوية هناك يُهدد أمنها القومي لثلاثة أسباب رئيسية:
تقليص حرية الحركة الجوية: وجود قاعدة تركية في تدمر سيجبر إسرائيل على التنسيق مع وزارة الدفاع التركية قبل تنفيذ أي عمليات جوية في المنطقة، وهو ما تعتبره قيودًا غير مرغوبة في المرحلة الحالية.
توسّع النفوذ الإقليمي لتركيا: تنامي الحضور العسكري التركي في سوريا قد يفتح الباب أمام أنقرة لتعزيز نفوذها في دول مجاورة مثل لبنان والأردن، ما قد يحد من الدور الإسرائيلي كقوة إقليمية مؤثرة.
حسابات سياسية مستقبلية: رغم العداء العلني بين إسرائيل والنظام السوري الجديد، إلا أن تل أبيب تُدرك أن هناك احتمالًا لمفاوضات قادمة، وتسعى لامتلاك أوراق قوة عبر بسط السيطرة الجوية على مناطق جنوب سوريا.
تحركات عسكرية وأمنية متصاعدة
الغارات الإسرائيلية الأخيرة على تدمر سبقتها تقارير عن نية أنقرة إرسال منظومات دفاع جوي من طراز “حصار” إلى القواعد الجوية في المنطقة. وتُشير بعض المصادر إلى أن إسرائيل نفذت خمس ضربات جوية خلال فترة قصيرة، دمرت خلالها مدارج وحظائر طائرات، ما جعل قاعدة “T4” خارج الخدمة مؤقتًا.
الباحث الإسرائيلي يوآف شتيرن أوضح أن إسرائيل لا تريد أي طرف خارجي يتمركز في هذه القاعدة تحديدًا، لأن ذلك قد يحد من حريتها في تنفيذ العمليات الجوية، مضيفًا أن “تل أبيب لا تقبل بهيمنة جوية تركية على وسط سوريا، سواء عبر الطائرات أو منظومات الدفاع الجوي”.
هل يتجه الصراع نحو التصعيد أم التسوية؟
لم تعلن تركيا رسميًا عن تفاصيل القواعد العسكرية التي تنوي إنشاؤها في سوريا، لكن وزارة الدفاع التركية أكدت أن اللقاء مع الوفد الإسرائيلي في أذربيجان كان يهدف إلى “منع الاشتباك” وتجنب التصعيد. ومع ذلك، فإن النوايا التركية تبدو واضحة في دعم الحكومة السورية الجديدة وتوسيع الحضور العسكري في البلاد، سواء في الشمال أو في الوسط.
في المقابل، ترى إسرائيل أن تدمر تمثل خطًا أحمر يجب عدم تجاوزه، وقد تتحول هذه المدينة الصحراوية إلى مركز تنافس شديد بين القوى الإقليمية والدولية، خاصة في ظل الفراغ الأمني الناجم عن انهيار دفاعات النظام السوري.
ممرات النفوذ والمخاوف الإسرائيلية القديمة
قبل سقوط النظام السوري، كانت تدمر تُشكل جزءًا حيويًا من “الكوريدور الإيراني” الممتد من العراق إلى لبنان. استخدمته طهران لنقل السلاح إلى “حزب الله” وتعزيز مواقع الميليشيات الحليفة لها داخل سوريا. ورغم تراجع المشروع الإيراني بعد انهيار النظام، إلا أن إسرائيل استمرت في استهداف المناطق المرتبطة بهذا الممر، خشية إعادة تفعيله.
وفي المقابل، تضاءلت الأحاديث الإسرائيلية حول مشروع “ممر داوود”، الذي كان من المفترض أن يربط إسرائيل بمناطق سيطرة “قوات سوريا الديمقراطية” عبر الجنوب السوري، بسبب عدة نكسات، منها انسحاب أميركي محتمل، وغياب دعم محلي في السويداء، ووجود اتفاقيات بين “قسد” ودمشق.
المستقبل الغامض لتدمر في خريطة الصراع السوري
يرى الباحث السوري ضياء قدور أن تدمر أصبحت اليوم رمزًا لصراع النفوذ الإقليمي في سوريا، لا سيما مع تراجع قدرات النظام العسكرية وتزايد التدخلات الخارجية. ويعتقد أن الوجود العسكري التركي في المنطقة قد يؤدي إما إلى مزيد من التصعيد أو إلى اتفاقات تهدئة يتم بموجبها إنشاء آليات للتنسيق العسكري، حفاظًا على توازن المصالح.
ومع غياب رؤية موحدة بين أنقرة وتل أبيب بشأن سوريا، ومع تمسك كل طرف بموقفه، تظل تدمر بؤرة مرشحة لاشتباكات سياسية وربما عسكرية، في ظل سباق للسيطرة على ما تبقى من مفاصل النفوذ في الجغرافيا السورية.
الحرة



