خضراء ومزدهرة.. دراسة تكشف كيف كانت الصحراء الكبرى

عندما نسمع اسم “الصحراء الكبرى” في شمال إفريقيا، يتبادر إلى أذهاننا مشاهد الرمال اللامتناهية والقحط والمناخ القاسي، لكن المفاجأة أن هذا الامتداد الصحراوي لم يكن دائماً بهذا الشكل. إذ تشير دراسات علمية إلى أن هذه الصحراء كانت قبل آلاف السنين واحة خضراء تعج بالحياة.
ففي فترة تعود إلى أكثر من 7 آلاف عام، كانت الصحراء الكبرى أرضاً خصبة مليئة بالأشجار والأنهار، وتعيش فيها حيوانات كبيرة مثل الفيلة وأفراس النهر. هذه المعلومات المدهشة جاءت نتيجة أبحاث طويلة اعتمد فيها العلماء على تحليل الحمض النووي القديم المستخرج من مومياوات محنطة.

وفي أحد أبرز الاكتشافات، شكّل ملجأ “تاكاركوري” الصخري في جبال تادرارت أكاكوس جنوب غربي ليبيا نافذة فريدة على هذا الماضي البيئي المزدهر. فقد عُثر في هذا الموقع قبل نحو 20 عاماً على بقايا 15 امرأة وطفلاً، مما ساهم في تغيير المفهوم التقليدي عن طبيعة الحياة في الصحراء الكبرى القديمة.
وبفضل تقنيات الجينوم الحديثة، تمكّن العلماء من تحليل الحمض النووي لامرأتين محنطتين طبيعياً، وكشفوا من خلاله عن أصول سكان المنطقة الذين كانوا يعيشون بأسلوب حياة يعتمد على الرعي والتنقل.
سلالة بشرية غامضة عاشت في “الصحراء الخضراء”
وأظهرت دراسة حديثة أعدها باحثون من معهد “ماكس بلانك” الألماني للأنثروبولوجيا التطورية ونُشرت في مجلة Nature، أن الصحراء الكبرى كانت مأهولة بسلالة بشرية غامضة خلال فترة “الحقبة الإفريقية الرطبة”، التي امتدت بين 14,500 و5,000 عام مضت، وهي فترة كانت فيها المنطقة مكسوّة بالنباتات والبحيرات.
وقد بيّن التحليل الجينومي للمومياوين أن سكان شمال إفريقيا انفصلوا جينياً عن سكان إفريقيا جنوب الصحراء في نفس الحقبة التي انفصلت فيها سلالات الإنسان الحديث المهاجرة خارج القارة قبل حوالي 50 ألف عام.
ومن الاكتشافات اللافتة أن المومياوين لديهما روابط وراثية وثيقة مع صيادي العصر الجليدي الذين عاشوا قبل 15 ألف عام في كهف “تافورالت” بالمغرب. كما تبين أن لديهما نسباً ضئيلاً من الحمض النووي للنياندرتال، أقل بكثير من الأوروبيين والآسيويين اليوم، لكنه أعلى مما لدى الأفارقة جنوب الصحراء حالياً.

“الصحراء الخضراء” لم تكن ممرًا للهجرات الجماعية
ورغم الاعتقاد السائد بأن الصحراء الكبرى كانت ممرًا واسعًا للهجرة بين الشعوب، إلا أن نتائج الدراسة تشير إلى خلاف ذلك. فقد أوضح الباحثون أن التنقلات لم تكن واسعة النطاق كما كان يُظن، بل إن التفاعل بين المجموعات البشرية في المنطقة كان يتم بشكل متقطع، غالباً عبر تبادل ثقافي أكثر منه عبر اختلاط سكاني مباشر.
هذا الكشف يعيد رسم صورة مغايرة تماماً للصحراء الكبرى، ويعزز من أهمية دراستها لفهم تطور البشر والطبيعة في القارة الإفريقية.
العربية نت



