الاخبار

اتفاق تاريخي بين أكراد سوريا وحكومتها.. هل يطفئ نيران التاريخ؟

في 27 ديسمبر/كانون الأول، وبعد أقل من عشرين يوماً من هروب بشار الأسد وسقوط نظامه، أعلن مظلوم عبدي، قائد قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، عن استعداد قواته للاندماج في مؤسسات الحكومة السورية الجديدة، لكن بشرط التفاوض مع سلطة دمشق لحسم النقاط الخلافية. من بين هذه النقاط، كانت رغبة عبدي في احتفاظ قواته بهيكل خاص داخل وزارة الدفاع السورية، وهو ما يتطلب نوعاً من الحكم اللامركزي الذي يسمح بإدارة ذاتية للشمال الشرقي من سوريا. لكن وزير الدفاع السوري مرهف أبو قصرة رفض هذه الفكرة بشكل قاطع.

وفي مساء العاشر من مارس/آذار 2025، وبعد شهرين من المفاوضات، أعلنت الرئاسة السورية عن توقيع اتفاق ينص على دمج قوات سوريا الديمقراطية ضمن مؤسسات الدولة. شمل الاتفاق دمج المؤسسات المدنية والعسكرية في شمال شرق سوريا، بما في ذلك السيطرة على المعابر الحدودية والمطارات وحقول النفط والغاز، مع التزام بوقف إطلاق النار في جميع أنحاء البلاد.

تثير هذه الأحداث تساؤلات حول كيفية الوصول إلى هذا الاتفاق التاريخي، وما هو تأثير الظروف الإقليمية والدولية في الوصول إلى هذا التفاهم؟ وهل يمكن اعتبار هذا الاتفاق حلاً نهائياً للقضية الكردية في سوريا؟
جذور القضية الكردية

ترتبط المسألة الكردية في سوريا بجذور جغرافية وتاريخية. تاريخياً، تعود أصول المناطق الكردية إلى ما كان يُعرف باسم “بلاد ما بين النهرين العليا”، والتي ضمها الاستعمار الأنجلو-فرنسي إلى سوريا بعد اتفاقية سايكس بيكو عام 1916. جغرافياً، تمتد القضية الكردية إلى ما وراء حدود سوريا، حيث يعيش الأكراد في تركيا، إيران، العراق وسوريا، مما جعل هذه الدول تتفق ضمنياً على منع قيام دولة كردية مستقلة خوفاً من تحركات انفصالية داخل أراضيها.

على مدار العقود الماضية، واجه الأكراد قمعاً سياسياً متواصلاً، حيث وقّعت تركيا والعراق معاهدة سعد آباد في 1937 لتعزيز هذا القمع. ورغم محاولات الأكراد لإنشاء كيان مستقل، مثل “جمهورية مهاباد” في إيران، إلا أن تلك المحاولات باءت بالفشل، كما حدث عندما قضت القوات الإيرانية على الجمهورية الوليدة بعد 11 شهراً من تأسيسها.

في سوريا، اندمج الأكراد بشكل كبير في النسيج الاجتماعي، ولكن مع تصاعد القومية العربية في خمسينيات القرن الماضي بقيادة جمال عبد الناصر، ازدادت مخاوف الأكراد بشأن حقوقهم. وفي عام 1962، سحبت الحكومة السورية الجنسية من الآلاف من الأكراد في محافظة الحسكة، بحجة أنهم دخلوا البلاد بشكل غير قانوني.
الطموحات الكردية والواقع الإقليمي

عبر العقود، شهدت العلاقة بين الأكراد والحكومات السورية المتعاقبة توتراً مستمراً، وخاصة بعد اكتشاف النفط في مناطق قريبة من تواجد الأكراد في شمال سوريا. وخلال ثمانينيات القرن الماضي، حاول حافظ الأسد تعزيز سيطرة الدولة من خلال تهجير آلاف الأكراد من المناطق الحدودية وتوطين قبائل عربية بدلاً منهم، بهدف منع أي طموحات انفصالية.

رغم هذه التحديات، حققت الحركة الكردية بعض المكاسب مع تشكيل حكومة إقليم كردستان العراق في تسعينيات القرن الماضي، ما أشعل طموحات قومية لدى أكراد سوريا وتركيا. ومع اندلاع الثورة السورية في 2011 وانسحاب القوات الحكومية من الشمال الشرقي، تم تأسيس وحدات حماية الشعب (YPG) في 2012، التي تلقت لاحقاً دعماً من الولايات المتحدة لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية.
التحولات الجديدة: الاتفاق بين قسد ودمشق

في السنوات الأخيرة، تزايدت الضغوط الإقليمية على الأكراد، وخاصة من تركيا التي شنت عدة عمليات عسكرية ضد وحدات حماية الشعب وقوات سوريا الديمقراطية. وأدت هذه التطورات إلى تراجع الطموحات الانفصالية للأكراد في سوريا، وصولاً إلى قبول قسد بالاندماج ضمن مؤسسات الدولة السورية في إطار اتفاقية جديدة.

يبدو أن هذا الاتفاق يعكس التحولات الإقليمية والدولية، بما في ذلك الدعم التركي للحكومة السورية الجديدة، إضافة إلى الدعوة التاريخية لعبد الله أوجلان، زعيم حزب العمال الكردستاني، لإلقاء السلاح وإنهاء النزاع المسلح ضد تركيا، وهو ما أثر بشكل كبير على موقف قسد.

الجزيرة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى