الاخبار

سوريا وترامب بين المكاسب والمخاطر

بعد العودة المدوية لدونالد ترامب إلى الرئاسة الأميركية بعد غياب دام أربعة أعوام، بدأت القوى الدولية والإقليمية في غرب آسيا إعادة ترتيب استراتيجياتها وتوقعاتها بشأن مستقبل سوريا. يتسابق الجميع لفهم السياسة الجديدة التي سيعتمدها ترامب وفريقه في ولايته الجديدة، مما يدفع لمراجعة مكاسب ومخاطر المرحلة المقبلة على الساحة السورية.

حلفاء ترامب من فترته الرئاسية الأولى بدأوا في استغلال العلاقات السابقة معه، غير واضحين بعد ما إذا كانوا يتعاملون مع ترامب القديم أو نسخة جديدة منه، خاصة أنه شخص معروف بحس غرائزي في اتخاذ القرارات. ترامب لا ينسى من أساء إليه ويحرص على استبعادهم، كما فعل مع شخصيات بارزة مثل مايك بومبيو ونيكي هيلي، مما قد يعكس تغيرات في السياسة الأميركية، خاصة في سياق توجهاته الاقتصادية والشعار الذي يعتمده “أميركا أولاً”.

من بين أول المبتهجين بعودة ترامب، كان الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، الذي بدأ يراهن على انسحاب أميركي من سوريا، مما يفتح المجال أمام أنقرة لاستعادة مناطق الشمال السوري وفرض سيطرتها عليها. التصريحات التركية، بما في ذلك تلك التي صدرت من ابنة إردوغان، إسراء، تشير إلى التفاؤل بعودة ترامب وتوقعاتهم بوقف إيران عند حدودها. ومع تصريحات ترامب حول السيطرة على منبج ومناطق أخرى، ترى أنقرة في ذلك فرصة لتعزيز نفوذها في الشمال السوري وملء الفراغ الناتج عن انسحاب القوات الأميركية المحتمل.

إردوغان يسعى كذلك لاستغلال هذه العودة لتخفيف الضغوط الروسية عليه بخصوص المصالحة مع دمشق، لكنه يجد نفسه في موقف صعب بشأن الجماعات المسلحة الإسلامية التي تدعمها تركيا. رغم أن ترامب معروف بمعارضته للإسلام السياسي، إلا أن إردوغان يواصل رهانه على إمكانية المناورة بين القوى الكبرى، بما في ذلك روسيا والولايات المتحدة.

دمشق، من جانبها، تأمل في تحقيق بعض المكاسب من عودة ترامب، على الرغم من التجربة السابقة الصعبة معه، حيث كان وراء “قانون قيصر” الذي فرض عقوبات قاسية على سوريا. ومع ذلك، تراهن القيادة السورية على التزام ترامب بالانسحاب التدريجي من سوريا، باستثناء قاعدة التنف، مما قد يتيح لها فرصاً جديدة بالتعاون مع روسيا.

الرهانات السورية برزت بوضوح في قمة الرياض الأخيرة، حيث أكد الرئيس بشار الأسد موقف بلاده الثابت في مواجهة أي محاولات لتقسيم سوريا أو التأثير على وحدتها. دمشق تراهن كذلك على استمرار دعم إيران كقوة إقليمية كبرى في المنطقة، وتدرك أن أي اتفاق سياسي مستقبلي حول سوريا لا يمكن أن يتم دون مراعاة مصالحها.

دمشق أيضاً تنظر بعين الاهتمام إلى التطورات الجارية في فلسطين ولبنان، وخاصة في ظل العملية العسكرية “طوفان الأقصى”، حيث ترى فيها جزءاً من إعادة تشكيل خرائط المنطقة. كما أن الأسابيع المقبلة، وفق الحسابات السورية، ستكون حاسمة في تحديد مستقبل سوريا والإقليم قبل تولي ترامب لمهامه الجديدة، وهي تدرك أن توازنات القوى في المنطقة قد تشهد تغيرات كبيرة في الفترة المقبلة.

ختاماً، ترى دمشق أن الفرصة لا تزال قائمة لتحقيق مكاسب سياسية وجغرافية في سوريا، ولكن بشرط اقترانها بتغييرات داخلية إيجابية، خصوصاً مع تزايد احتمالات نجاح قوى المقاومة في فرض شروطها على الأرض.

الميادين

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى