اللقاء السوري – التركي.. مدخل لنظام إقليمي جديد؟

نعيش حالياً ذروة ثالثة من الموجات التي تدفع نحو إعادة العلاقات بين سوريا وتركيا، بعدما تم تأجيلها بسبب الانتخابات التركية الرئاسية والبرلمانية.
هذه المرحلة الجديدة تحمل آفاقاً واعدة، قد تساهم في تعزيز وحدة الأراضي السورية واستعادة السيادة الكاملة عليها.
ومع ذلك، تبرز أسئلة هامة: ما الذي سيحدث بعد هذا اللقاء؟ وكيف يمكن تحقيق نجاح طويل الأمد في إعادة هذه العلاقات؟
تراجع الجمود الذي عرقل استئناف العلاقات منذ تصريح الرئيس السوري بشار الأسد في خطاب له أمام مجلس الشعب السوري عقب الانتخابات.
في هذا الخطاب، تخلى الأسد عن مطلب الانسحاب التركي كشرط مسبق، وركز على تحقيق الأهداف المشتركة مع تركيا.
هذه المرونة الجديدة لقيت استحساناً من الجانب التركي، ما أدى إلى دفع عجلة اللقاءات بين الطرفين دون شروط مسبقة معقدة.
المهم ليس مجرد حدوث اللقاء بين دولتين متجاورتين تربطهما علاقة تاريخية تمتد لآلاف السنين، بل في السياق الإقليمي والدولي الذي يدفع نحو هذا التقارب.
العالم يشهد تحولات كبرى، وخاصة في منطقة غرب آسيا، حيث تتغير موازين القوى بفعل صعود محور المقاومة بقيادة إيران، والذي أثبت نفسه خلال الصراع الأخير في غزة، في مواجهة الغرب بقيادة الولايات المتحدة وإسرائيل.
تنعكس هذه التحولات بشكل مباشر على تركيا، التي بدأت بالابتعاد تدريجياً عن الغرب منذ محاولة الانقلاب الفاشلة في 2016.
الصراع المستمر في غزة وبقية المناطق ساهم في هزيمة حزب “العدالة والتنمية” في الانتخابات البلدية، ما عزز الميل التركي نحو التخلي عن الارتباط الوثيق بالغرب.
هناك جهود دولية وإقليمية لتفعيل الحوار بين سوريا وتركيا، حيث أكد المسؤول الروسي ميخائيل بوغدانوف على الدور الإيجابي لكل من إيران والعراق في دعم هذا الحوار.
كما أشار وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف إلى اقتراب انعقاد اجتماع رباعي بين روسيا وتركيا وإيران وسوريا في إطار محادثات أستانة.
هذا اللقاء المرتقب بين سوريا وتركيا يمكن أن يكون خطوة أساسية نحو بناء نظام إقليمي جديد، يجمع القوى الكبرى في المنطقة ويعيد توزيع الأدوار بعيداً عن التأثير الغربي.
ومع ذلك، سيستغرق بناء هذا النظام الجديد سنوات من العمل، نظراً لتباين القضايا السياسية والداخلية في كل دولة.
من القضايا المشتركة التي تواجه هذه الدول هي مسألة الأكراد، الذين يتوزعون عبر حدود سوريا وتركيا وإيران والعراق.
النظام الغربي لطالما استغل هذه القضية لتفتيت المنطقة، مما يجعل من الصعب إيجاد حل يرضي جميع الأطراف.
ربما يكون طرح عبد الله أوجلان حول “الأمة الديمقراطية” مدخلاً لحل هذه القضية، ولكن القوى الكردية ما زالت تعتمد بشكل كبير على الدعم الغربي لتحقيق أهدافها.
في النهاية، نجاح النظام الإقليمي الجديد يعتمد على إيجاد توازن بين القوى المختلفة في المنطقة، بما في ذلك الأكراد، وتجاوز الرهانات على الغرب.
الميادين



