قراءات تركية في مشروع المصالحة مع سورية : رابحون كثر

يبدو الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، في عجلة من أمره، بخصوص استعادة العلاقات مع سورية، إذ تسابق تصريحاته في هذا الشأن الوقت؛ من إعلانه الاستعداد للقاء الرئيس السوري بشار الأسد، إلى حديثه عن دعوة يمكن أن تُوجَّه إلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، والأسد، لزيارة تركيا، وأخيراً كلامه عن أنه ينتظر خطوة سورية ليقابلها بأخرى مماثلة، ليجتمع بالأسد، بمعزل عن المكان.
وفي انتظار الإفصاح عن طبيعة «الخطوة» السورية المأمولة، والتي ربّما تكون موافقة دمشق على اقتراح أنقرة التعهُّد «الشفهي»، بضمانة روسية، بالانسحاب من سورية، بعدما كان التعهّد المكتوب هو الشرط المسبق الذي يضعه الأسد للقاء إردوغان، تتواصل التحليلات التركية حول ملفّ التطبيع بين البلدَين، والذي يختزن الكثير من التعقيدات الإقليمية والدولية، وفي الوقت ذاته الآمال في تفكيكها تدريجيّاً.
وتحت عنوان «سوريا : السنوات الضائعة والأحلام التي استحالت خيالاً»، يكتب أورخان بورصه لي، في صحيفة «جمهورييات» المعارضة : «منذ سنوات، ونحن ندعو إلى انسحاب تركيا من سورية والدفاع عن وحدة الأراضي السورية، لكنّ الآخرين كانوا يقولون إن الأراضي التي دخلتها تركيا هناك، أصبحت لها، وأسّست فيها إدارة محلية، ووفّرت خدمات البريد، فيما تواصل عمليات الدمج ولا داعي للانسحاب». ويضيف أن «محاولات إردوغان توسيع تركيا، كانت محاولة مستحيلة.
لقد دعم المجموعات المسلّحة وحوّل الجيش السوري الحرّ – بشكل كوميدي – إلى جيش وطني، ولا يزال يدفع لهم حتى الآن رواتب، لكنهم يعادون الأتراك، والآن يحرقون علمهم».
أمّا بالنسبة إلى أحمد داود أوغلو، يضيف بورصه لي، فإن سورية هي «بقيّة العثمانيين.
كان داود أوغلو يعيش العصر الإمبراطوري، متجاهلاً عصر الدولة القومية ووجود الولايات المتحدة وروسيا، وكان إردوغان يرى أن الولايات المتحدة تعمل على تقسيم سورية، ويعتقد أن تركيا ستأخذ نصيبها من عملية التقسيم.
وكانوا لا يعيرون اهتماماً لاعتراض روسيا وإيران على سياسة أميركا وتركيا، لأن كل عقول حزب العدالة والتنمية لم تكن ترى سوى أميركا، القوّة القادرة على فعل ما تريد، في وقت كانت تؤسّس فيه لكيان كردي».
ويتابع : «الآن، بعد 13 عاماً، يأتي إردوغان من ألمانيا ليقول إنه يريد العودة إلى ما كانت عليه العلاقات، والاجتماع إلى الأسد كعائلة! أَلَم يفت الأوان سيّدي الرئيس؟ لقد أصبح العداء اسماً للخسائر الكبيرة»، مستدركاً بأن «الاستيقاظ من الحلم وبدء العودة إلى السياسة الواقعية أمر جيّد بلا شكّ».
يختزن ملف التطبيع التركي – السوري الكثير من التعقيدات الإقليمية والدولية، وفي الوقت ذاته الآمال في تفكيكها تدريجيّاً
وفي «جمهورييات» أيضاً، يرى محمد علي غولر أن «إلقاء الحكومة اللوم على السوريين المعارضين في الأحداث ضدّ الجيش التركي في المناطق السورية المعارضة، هو تضليل، لأن الحكومة هي المسؤولة عن كل الأحداث التي وقعت ويمكن أن تقع في تركيا، في ما يخصّ مشكلة اللاجئين»، مبرّراً ذلك بأن الحكومةز:
1- فتحت الحدود وأرسلت «الجهاديين» إلى سورية وجلبت اللاجئين إلى تركيا.
2- منعت اللاجئين من مواصلة الطريق إلى أوروبا وجعلت تركيا مستودعاً لهم مقابل المال.
3- رفضت بشكل مستمرّ فرص التطبيع التي كانت تلوح أمامها مع دمشق.
ويعتبر الكاتب أن «هدف إردوغان كان واضحاً: استخدام اللاجئين جزءاً من مشروع الأمّة التركية وتجنيدهم في الجيش السوري الحر وتأسيس منطقة نفوذ تركي في الشمال السوري. وط
وهذا تمّ بالتعاون الكامل مع السياسات الإمبريالية للولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي».
ويشدد على أن «اعتراف الحكومة بمصدر المشكلة، لا الوقوف عند نتائجها، يمكن أن ينقذنا من الفخّ، وذلك من خلال العمل الجدّي على التطبيع»، الذي سيؤدّي، بحسبه، إلى :
1 – سيطرة سورية على كامل أراضيها، والقضاء على احتمال الدولة الكردية هناك.
2- تصفية التنظيمات الجهادية التي أُرسلت لإسقاط الأسد.
3- حل «الجيش السوري الحر».
4- عودة اللاجئين إلى سوريا.
من جهته، يرى الكاتب المعروف سليمان سيفي أوغون، في مقالة في صحيفة «يني شفق» الموالية بعنوان : «حول العلاقات التركية – السورية»، أن «سياسة تركيا عبر التاريخ الحديث، كانت تعتمد على مبدأ التوازن، منذ أواخر الدولة العثمانية.
وبعد الحرب العالمية الثانية، جرى الاستنجاد بحلف شمال الأطلسي لمواجهة التهديدات السوفياتية».
ويستدرك بأنه مع تفكّك الاتحاد السوفياتي، «فقد النظام العالمي توازنه بفقدان القدم السوفياتية، وكان ذلك بداية ظهور الخطر الكردي وتأسيس الدولة الكردية في العراق، وهو ما لم تتنبّه إليه تركيا، فكانت مساعداً على ذلك في شمال العراق.
ثم في بداية الربيع العربي، اعتقدت أنها ستنال حصّة من النهب الرخيص للعراق والمنطقة.
لكن حصل العكس، ونقلت الحركة الكردية مركزها من تركيا إلى سورية برعاية أميركا وبذريعة داعش».
في المقابل، «كانت روسيا وإيران تشكلان مظلّة لحماية الأسد المنهك»، كما يقول، معتبراً أن ما يثير القلق في محاولات المصالحة الآن أن «روسيا لا تريد الاشتباك مع أميركا، والأسد لا يرى سوى تركيا بلداً محتلّاً لسورية ويريد أن تنسحب من المناطق التي فيها جنودها»، مضيفاً أن «الوساطة الروسية مناورة تهدف إلى إبعاد تركيا عن حلف شمال الأطلسي، ولجم الانجراف إليه.
ويمكن أن أقول براحة: إن نيّة روسيا ليست السلام بين تركيا وسورية… آمل أن أكون مخطئاً. لكن بصراحة، لست متفائلاً من الأسد».
أمّا نبي ميش، في صحيفة «صباح» الموالية، فيرى أن «الظروف الإقليمية المتغيّرة، والتهديدات بحرب عالمية، كانت تضغط على روسيا وإيران للمصالحة بين تركيا وسورية».
لكن ملفّات العلاقات التركية – السورية، معقّدة، و»لا يمكن»، بحسبه، «إسقاط ظروف المصالحة بين تركيا وكل من مصر والسعودية والإمارات على ملفّ المصالحة مع سورية والوضع في شرق الفرات، كما أن التوتر في تركيا وغرب الفرات بسبب اللاجئين السوريين، هو رأس خيط لمحاولات القوى المتضرّرة من المصالحة» تعطيلها.
ويقول عبد القادر سيلفي، المقرّب من إردوغان، بدوره، إن «مكوك العلاقات بين تركيا وسورية كبير، ولكن يجب البدء من نقطة ما»، معتبراً أن «الأسد بين خيارَين: إمّا استمرار توازن الرعب الحالي، أو البدء بتطبيع العلاقات بسرعة.
وهذا ما فعله العراق مع ترجيح خيار طريق التنمية بدلاً من خيار التوترات. كذلك، فإن التهديد الإسرائيلي يتزايد يوماً بعد يوم : اليوم غزة فلبنان ومن ثم سورية، ولذا، يخشى بوتين من انفلات الأمور من سيطرته في سورية في حال اندلاع حرب واسعة».
ويضيف سيلفي أن المصالحة بين تركيا وسورية «ستخفّف الحصار الذي تواجهه سورية من إسرائيل ومن إيران».
ويتابع أن «تركيا وسورية تحتاجان إلى التعاون في مسألة منع قيام كيان كردي… وفي حال خطا إردوغان والأسد خطوة في هذا الإطار، فسيشكلان معادلة جديدة، وسيبدأ إنشاء سورية الجديدة».
الأخبار



