وسائل الإعلام والقراءة المقلوبة للتقارب السوري- التركي

ترددت في وسائل الإعلام مؤخرًا تقارير عن استعداد الرئيس التركي رجب طيب إردوغان للقاء الرئيس السوري بشار الأسد، وهي مسألة لم تكن جديدة.
فقد أعرب إردوغان عن استعداده للقاء الأسد منذ سنوات، إلا أن الأسد كان يرى أن الظروف لم تكن مناسبة بعد لهذا اللقاء.
كان الموقف السوري واضحًا في عدم تقديم أي تنازلات سياسية من شأنها تعزيز موقف إردوغان الانتخابي، خصوصًا في ظل سعي المعارضة التركية لتطبيع العلاقات مع دمشق.
ومع ذلك، بعد فوز إردوغان في الانتخابات الأخيرة، كان لابد من التعامل مع الأمر بواقعية وبراغماتية، مع التمسك بالمبادئ السورية الأساسية، وعلى رأسها ضرورة انسحاب القوات التركية من الأراضي السورية المحتلة.
سوريا كانت دائمًا تشترط انسحاب القوات التركية من كامل أراضيها كشرط أساسي لأي لقاء محتمل بين القيادتين.
يبدو أن زيارة المبعوث الروسي الخاص ألكسندر لافرينتيف الأخيرة إلى دمشق حملت معها ضمانات لسوريا بشأن انسحاب تركي تدريجي، مما قد يتيح للقوات السورية ملء الفراغ الأمني الناتج عن هذا الانسحاب.
الرئيس الأسد أبدى مؤخرًا مرونة تجاه مبادرات التطبيع، مؤكداً أن سوريا منفتحة على أي مبادرات تحترم سيادتها وتظهر استعدادًا تركيًا للتعاون في مكافحة الإرهاب.
يبدو أن هذه المرونة جاءت استجابة لضمانات روسية ملموسة بخصوص الانسحاب التركي.
بدأت تركيا تبدي رغبتها في استعادة العلاقات مع سوريا منذ عام 2022، وزادت هذه الرغبة قبل الانتخابات الرئاسية التركية في عام 2023، حيث فاز إردوغان بفترة رئاسية جديدة مدتها خمس سنوات.
الانتخابات المحلية التي جرت في عام 2024 كانت مخيبة للآمال بالنسبة لإردوغان وحزبه، حيث أظهرت قوة المعارضة التركية ومنافسة رئيس بلدية إسطنبول، أكرم إمام أوغلو، لإردوغان في المستقبل.
قراءة إردوغان للأحداث
إردوغان فهم من نتائج الانتخابات المحلية أنه يواجه تحديات حقيقية، واعتبرها نقطة تحول مفصلية بعد أكثر من عشرين عامًا من الحكم.
تعود تراجع شعبية حزب “العدالة والتنمية” إلى عدة عوامل، أبرزها الوضع الاقتصادي الصعب وارتفاع معدلات التضخم، بالإضافة إلى التأثير السلبي لوجود عدد كبير من اللاجئين السوريين في تركيا، الذين باتوا يشكلون عبئاً على البلاد.
تراجع دور الولايات المتحدة على الساحة الدولية دفع تركيا إلى تعزيز علاقاتها مع روسيا وإيران والصين وبعض الدول العربية، والتي كانت داعمة لسوريا. هذا التوجه عزز من مكانة سوريا بعد عودتها إلى الجامعة العربية، وفتح الباب أمام تحسين العلاقات السورية العربية بهدوء وبعيداً عن الإعلام.
لم يكن مفاجئاً أن يعبر الرئيس إردوغان وزعيم حزب “الشعب الجمهوري” المعارض، أوزغور أوزال، عن استعدادهما لإعادة العلاقات مع دمشق.
إردوغان أكد أنه لا يوجد ما يمنع من إعادة العلاقات إلى طبيعتها، وأنه مستعد للقاء الأسد، مشيراً إلى أن السياسة لا تعرف الخلافات الدائمة أو الصداقات المستمرة.
من ناحية أخرى، أشار أوزال إلى نية حزبه في القيام بدبلوماسية غير رسمية مع سوريا، معرباً عن رغبته في زيارة دمشق والاجتماع مع الرئيس الأسد.
دمشق ترغب في وضع نهاية للأزمة التي عانت منها، واستعادة سيادتها على كامل الأراضي المحتلة من قبل تركيا.
دمشق تعتبر أن إعادة انتخاب إردوغان يفرض التعامل معه، بشرط انسحاب تركيا من الأراضي السورية ونسيان حلمها في استعادة الإمبراطورية العثمانية.
سوريا تدرك أن حقوقها لا يمكن أن تضيع إلا بتنازلها عنها، وأن أي انتصارات ميدانية ستعزز موقفها على الساحة الدولية.
التحديات في استعادة العلاقات
دمشق تدرك أن استعادة العلاقات مع تركيا لن تكون سهلة، وأن هناك مفاوضات شاقة ستجري بوساطة دولية. ستستضيف بغداد هذه المفاوضات التي سترعاها دول مثل روسيا، والصين، والسعودية، والإمارات، والعراق.
إعادة بناء الثقة بين البلدين ستكون التحدي الأكبر، ولن تكون الثقة موجودة من الجانب السوري الذي سيبدأ بالمفاوضات بناءً على “سوء النية” تجاه تركيا لتجنب تكرار الأخطاء الماضية. إجراءات بناء الثقة يجب أن تترجم إلى نتائج ملموسة.
بعد أن أعربت تركيا عن رغبتها في الحوار مع دمشق، اندلعت مواجهات في الشمال السوري بين الجيش التركي والمسلحين الذين دعمتهم تركيا سابقاً، مما أثار شعور هؤلاء المسلحين بأن دورهم قد انتهى.
تركيا كانت قد لعبت دوراً رئيسياً في تأجيج الحرب على سوريا منذ عام 2011، ورعت تشكيل “الجيش الحر” واستضافت مؤتمرات “أصدقاء سوريا” لدعم المعارضة السورية.
في السنوات الأخيرة، سعت تركيا إلى استعادة علاقاتها مع دمشق، وذلك نتيجة لتغير المشهد الدولي وانخفاض تأثير الولايات المتحدة.
بالتالي، تسعى تركيا الآن إلى تحسين علاقاتها مع دول المنطقة بما في ذلك سوريا، مما قد يسهم في إنهاء الصراع المستمر وإعادة الاستقرار إلى المنطقة.
في نهاية المطاف، على الرغم من الصعوبات والتحديات، فإن مصلحة سوريا الوطنية تقتضي العمل بمرونة وبراغماتية في التعامل مع تركيا.
تحسين العلاقات مع أنقرة، بالرغم من الصعوبات النفسية والسياسية، يمكن أن يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الاستقرار والتعاون في المنطقة.
الميادين نت



