زلزال عالمي ضدّ أميركا

زياد البرجي
لكأن دوران الأرض على وشك أن يتغير. ادارة جو بايدن لم تأخذ بتحذير هنري كيسنجر من «الغروب الأميركي» : «اياكم والغرق في تلك الزاوية الضيقة التي تدعى أوكرانيا، دون الوعي بالتفاعلات الاستراتيجية التي تحدث على امتداد العالم، والتي قد تقلب المشهد الدولي رأساً على عقب».
ها أن السعودية، بالامكانات المالية والسياسية، اضافة الى دول أخرى،تتجه نحو الالتحاق بمجموعة «البريكس» التي من أولوياتها خلع الدولار عن عرشه ( الأمبراطور الأعظم)، وزعزعة الأمبراطورية العظمى، وربما العودة بها الى مبدأ مونرو (1823 )، بسياسة الأبواب المقفلة.
حتى لو قال روبرت كيغان أن القطيعة مع أميركا هي القطيعة مع الأزمنة والعودة الى العصر الحجري. هذا قبل أن تظهر المعجزة الصينية، وان كانت تحتاج لسنوات لمحاكاة المعجزة الأميركية.
وها أن قائد البحرية الايرانية شهرام ايراني يتحدث عن تحالف بحري مع بلدان الخليج، وصولاً الى الهند وباكستان. بالتالي الحد من الدور الأميركي في المحيط الهندي، وانعكاس ذلك على مضيق هرمز وباب المندب.
هكذا كان التعليق الأميركي. المتحدث باسم الأسطول الخامس والقوات البحرية المشتركة تيم هوكينز، قال «ان التحالف الذي تعتزم ايران تشكيله مع السعودية ودول خليجية أخرى غير منطقي، ويتحدى العقل». لكن المنطق في تحالف بين هذه الدول ودولة تبعد عنها 10000 كيلومتر، واللا منطق في التحالف بين دول تضيق المسافة البحرية بينهما الى 55 كيلومتر (مضيق هرمز) وتتصل براً عبر العراق.
الأكثر اثارة للاستغراب أنه في حين تمارس حكومة بنيامين نتنياهو أبشع أنواع البربرية حيال الفلسطينيين، يدعو أنتوني بلنكن السعودية الى التطبيع مع «اسرائيل» التي رفض وزير الطاقة فيها يسرائيل كاتز تطوير المملكة برنامجاً نووياً مدنياً، هذا ليس تحدياً للعقل البشري.
في باكستان، اسئلة حول حصيلة عقود من التبعية لواشنطن. لا شيء سوى التصدعات السياسية التي تخللتها انقلابات عسكرية بادارة وكالة الاستخبارات المركزية، وتعثر في الدورة الاقتصادية ينبئ بنتائج كارثية.
كيف للهند بالامكانات الديموغرافية (1.400000000 نسمة)، وبالتقدم التكنولوجي الذي حققته، ألاّ تفكر أمبراطورياً، لتبقى رهينة السياسات الأميركية التي لم تتوقف يوماً عن تكريس العداء بين الهند والصين، بدل تجاوز الترسبات الماضية وبلورة طرق للتعاون، ما يساعد الهند على معالجة الكثير من الفجوات الاقتصادية والاجتماعية، وحيث الفقر يضغط بقوة على الايقاع السياسي، وحتى على الايقاع الايديولوجي للبلاد.
الأسئلة أيضاً في السعودية وبلدان خليجية أخرى. ذاك الارتباط الاستراتيجي الذي امتد لعقود، لكأنه ارتباط وجودي،حال بشكل أو بآخر، دون هذه الدول والتمثل بنمور جنوب شرق آسيا في المجال الصناعي والتكنولوجي، لتبقى ضحية الاقتصاد الريعي باحتمالاته المخيفة.
ما يعني أميركا أميركا (و»اسرائيل» فقط). هذه البديهية التي انتشرت في كل مجتمعات العالم. الآخرون، بمن فيهم الأوروبيون، زنوج الأمبراطورية. هذا يبدو جليّاً في الحالة الأوكرانية، وحيث الاستنزاف الجنوني لاقتصادات القارة العجوز. المهم أن تبقى الولايات المتحدة في مقصورة القيادة…
وكانت الباحثة الأميركية باتريسيا كيم قد توقعت على مستوى العلاقة مع العالم «دخولنا الوشيك في عنق الزجاجة»، بالحرف الواحد «حتى الدمى يمكن أن تنفجر في وجهنا»، لتضيف «لم يعد معقولاً أن نتعامل مع الدول الحليفة مثلما كانت البلدان الأوروبية تتعامل مع مستعمراتها في القرن التاسع عشر،وحتى في النصف الأول من القرن العشرين. وكما نرى فان أبواباً كثيرة توصد في وجهنا، وتفتح على مصراعيها أمام الصينيين».
ولكن ألم يلاحظ الباحث الفرنسي برتران بادي أن زحزحة السياسات الأميركية أكثر صعوبة (أو استحالة) من زحزحة جبال البيرينه. هذا لن يحدث الا بـ «زلزال عالمي» ضد أميركا…
يحثنا على النظر بدقة الى حيثما يتشكل الزلزال…!
الديار



