الاخبار

بوادرُ تنازل تركي: أنقرة تبحث صيغة انسحاب من سوريا

بوادرُ تنازل تركي: أنقرة تبحث صيغة انسحاب من سوريا

علاء حلبي

على الرغم من الموقف السوري الأخير المتشدّد حيال أيّ تطبيع للعلاقات مع تركيا قبْل التوصّل إلى تسوية أمنية شاملة تعالج مسألة الوجود التركي العسكري في شمال سوريا، تفيد معلومات «الأخبار» بأن أنقرة لا تزال مصرّةً على عقْد لقاء ذي طابع سياسي مع دمشق، وهي من أجل تَحقّق هذا المطلب، تحاول تطمين الأخيرة عبر العكْف على إعداد مقترحات بخصوص تلك التسوية، تمهيداً لعرضها على الوسيطَين الروسي والإيراني. وبحسب المعلومات، فإن تركيا تُراهن على إمكانية أن تلعب موسكو وطهران دور الضامن لأيّ تفاهم أوّلي، والكفيل بإقناع السوريين بأنه سيسلك سبيله إلى التنفيذ، أيّاً جاءت نتائج الانتخابات الرئاسية التركية

على رغم رفْض سوريا عقْد اجتماع على مستوى نوّاب وزراء الخارجية مع كلّ من تركيا وإيران وروسيا، في موسكو الأسبوع الماضي، وتمسّكها بجعل مطلب انسحاب القوّات التركية من الأراضي السورية كهدف لأيّ اجتماعات لاحقة، إلى جانب ملفّات أخرى بعضها إنساني وبعضها الآخر يتعلّق بالأمن المائي والغذائي، تصرّ أنقرة على عقْد هذا اللقاء مع دمشق، فيما تعمل موسكو على إعادة هندسته من دون أن يتّضح له موعد جديد إلى الآن. وتَنقل مصادر سورية معارضة عن مسؤولين أتراك تأكيدهم أن بلادهم مستمرّة في جهودها لِلَأْم الاجتماع المذكور قبل الانتخابات الرئاسية المقرَّرة في شهر أيار المقبل، على رغم تشديد الحكومة السورية المستمرّ على ضرورة الفصل بين الملفّ الانتخابي التركي الداخلي وملفّ العلاقات السورية – التركية. وتضيف المصادر، في حديثها إلى «الأخبار»، أن التصريحات شديدة اللهجة التي أَطلقها أخيراً الرئيس السوري، بشار الأسد، ضدّ أداء تركيا ومحاولتها استثمار الملفّ السوري في الانتخابات، لم تؤثّر على المساعي المستمرّة لتحقيق انفراجة في العلاقة الثُنائية بين البلدَين.
وتَكشف أن المسؤولين الأتراك يدرسون، في الوقت الحالي، خيارات عدّة بخصوص مصير الوجود العسكري التركي في سوريا، وإمكانية وضْع جدول لإنهائه ربطاً بتطوّرات ميدانية وإنسانية وسياسية، تمهيداً لطرحه على الوسيطَين الروسي والإيراني، اللذَين سيكونان، والحال هذه، ضامنَين، أيّاً جاءت نتائج الانتخابات التركية. ولعلّ هذه الأجواء هي التي تفسّر حديث وزير الخارجية التركي، مولود جاويش أوغلو، عن قرب عقْد الاجتماع المؤجَّل «خلال أيام»، وإشارته إلى أن «القضايا الفنّية تمّت مناقشتها في اجتماع وزراء الدفاع ورؤساء المخابرات الذي انعقد في 28 كانون الأول 2022، وأن القضايا السياسية هي التي ستتمّ مناقشتها الآن». وقال أوغلو: «النظام السوري كان هناك، وربّما اتّخذوا قراراً مشتركاً، وقالوا سنعقده لاحقاً»، في إشارة إلى الزيارة التي أجراها الرئيس السوري إلى روسيا، والتي تزامنت مع موعد اللقاء الذي تمّ إلغاؤه، على الرغم من سفر وفد ديبلوماسي تركي برئاسة نائب وزير الخارجية، بوراك أكجابار، إلى موسكو.
وبينما فتحت زيارة الأسد على رأس وفد حكومي سوري لروسيا، ولقاؤه رئيسها فلاديمير بوتين، الأبواب أمام حقبة جديدة في مستوى العلاقات بين البلدَين، أثارت تصريحاته، التي أعلن فيها موافقة بلاده على توسيع الحضور العسكري الروسي في بلاده، حفيظة واشنطن، التي رأت أن تلك الموافقة مُوجَّهةٌ بشكل أساسي ضدّها، وهو ما تُرجم بوصفها من قِبَل وسائل إعلام أميركية، من بينها «فوكس نيوز»، بأنها «تهديد للأمن الأميركي». وعلى هذه الخلفيّة، تابعت الولايات المتحدة تحرّكاتها للتضييق على الحكومة السورية، الأمر الذي انعكس أخيراً في عقْد مؤتمر للمانحين في بروكسل بهدف جمْع دعم مالي لتجاوز آثار الزلزال المدمّر الذي ضرب تركيا وسوريا، من دون دعوة أيّ منظّمة تعمل في مناطق سيطرة الحكومة السورية. وجاء ذلك بعد حملة إعلامية شنّتها قوًى معارِضة سورية مدعومة أميركياً وتنشط من نيويورك، ضدّ محاولات أوروبية لدعوة «الهلال الأحمر السوري» إلى الاجتماع، ما تسبّب بتأجيل هذا الأخير وعقْده لاحقاً إثر استبعاد «الهلال» منه.

تابعت واشنطن تحركاتها للتضييق على دمشق، هذه المرّة عبر مؤتمر للمانحين في بروكسل

وركّز المؤتمر، بشكل أساسي، على تقديم الدعم لأنقرة، وللسوريين الموجودين في تركيا، ضمن سعي الاتحاد الأوروبي إلى إرضاء الأخيرة مقابل تشديد رقابتها على الحدود ومنْع أيّ موجات لجوء سورية جديدة. وبينما جَمع أكثر من 6 مليارات يورو لتركيا، فقد لمّ 950 مليون يورو لسوريا، من دون تحديد آليّات لتوزيع هذا الدعم، الذي تسود شكوك في حصْره في الشمال الخارج عن سيطرة الحكومة. وعلى هذه الخلفية، استنكرت وزارة الخارجية السورية «عقْد المؤتمر من دون التنسيق مع الحكومة السورية الممثِّلة للبلد الذي حلّت به هذه الكارثة، أو دعوتها للمشاركة في أعماله»، لافتةً إلى أن «تسييس المنظِّمين للعمل الإنساني والتنموي تجلّى أيضاً في مواصلتهم فرْض تدابيرهم القسرية اللاشرعيّة واللاإنسانية واللاأخلاقية على الشعب السوري، والتي حالت دون توفير مستلزمات إنقاذ ضحايا الزلزال وتأمين الدعم للمتضرّرين منه على النحو الأفضل»، مضيفةً أن «الاستثناءات التي تمّ الترويج لها من العقوبات القسرية الأميركية والأوروبية ليست سوى إجراءات شكلية غير فعّالة وذات طابع دعائي».
في هذا الوقت، وبينما تحدّثت الاستخبارات الخارجية الروسية عمّا سمّتها «خطّة أميركية بريطانية لتنفيذ هجمات على مواقع حكومية سورية عن طريق تشكيلات متطرّفة، على رأسها تلك التابعة لتنظيم «داعش» والتي لا تزال تنشط في البادية السورية المتّصلة بقاعدة التنف الأميركية على المثلّث الحدودي مع العراق والأردن، تابعت «هيئة تحرير الشام» (جبهة النصرة) توسّعها في الشمال السوري، حيث انتشر مقاتلوها في بلدة جنديرس قرب عفرين، عقب مقتل أربعة مدنيين على يد أحد الفصائل المعارِضة، خلال احتفالهم بعيد «النوروز» عبر إشعال النار. إذ استثمر قائد «الهيئة»، أبو محمد الجولاني، هذه الجريمة إعلامياً من أجل الدخول إلى البلدة بدعوى حمايتها، وهو ما تمّ لاحقاً بالفعل، لينفتح بذلك الباب أمام رجل «القاعدة» السابق للوصول إلى معبر الحمام مع تركيا، ضمن خطّته للسيطرة على المعابر التي تُعتبر أحد أبرز الموارد المالية لجماعته، علماً أنه بات يملك سطوة كبيرة في ريف حلب، ويواصل اشتغاله على قضْم المناطق الخارجة عن سيطرة الحكومة، وضمّها إلى «إمارته» التي يديرها من إدلب.

العدو مصرّ على شلّ «حلب»
نفّذ العدو الإسرائيلي عدواناً هو الثاني من نوعه على مطار حلب الدولي، منذ وقوع زلزال السادس من شباط، وذلك بعد أيّام من عودة المرفق إلى العمل إثر العدوان الماضي. واستهدفت الطائرات الإسرائيلية المطار برشقة صواريخ أطلقتْها من البحر، عند حوالى الساعة الرابعة من فجر أمس، أدّت إلى أضرار في مدرجه ومن ثمّ إخراجه عن الخدمة. وأفادت وزارة النقل السورية، في بيان، بأنه «بعد تقييم الفِرق الفنية لآثار العدوان الإسرائيلي، تَبيّن وجود أضرار في المدرج وبعض التجهيزات الملاحية، ما يسبّب خروج المطار عن الخدمة إلى حين الانتهاء من إصلاحها»، مضيفة أن «كوادرنا باشرت بالتعاون مع الشركات والمؤسّسات المعنيّة بأعمال الترميم والإصلاح»، في حين تمّ تحويل كل الرحلات القادمة والمغادِرة باتّجاه مطارَي دمشق واللاذقية إلى حين الانتهاء من هذه الأعمال، بما يشمل نقْل رحلتَين (ذهاباً وإياباً) بين الشارقة وحلب إلى مطار دمشق الدولي.

ويعدّ هذا العدوان الإسرائيلي الثاني من نوعه خلال أسبوعَين، والرابع منذ وقوع الزلزال، وهو يأتي في سياق اعتداءات متواصلة ينفّذها العدو ضدّ سوريا، وتستهدف، بحسب ما رأى الرئيس السوري، بشار الأسد، خلال لقاء مصوَّر أخيراً، «إضعاف سوريا». وتسبّبت الضربة السابقة على مطار حلب بإعاقة إيصال المساعدات الإنسانية والإغاثية إلى المحافظة الأكثر تضرّراً من جرّاء الكارثة، من بين أربع محافظات تمّ إعلانها منكوبة (حلب، وإدلب، وحماة، واللاذقية)، وقدّر «البنك الدولي»، في آخر تقرير له، تكاليف تعافيها وإعادة إعمارها بنحو 7.9 مليار دولار على مدار 3 سنوات، وهو رقم تَعتبره أوساط سورية اقتصادية أقلّ بكثير من قيمة الأضرار الحقيقية، والتي لا يمكن حصْرها بشكل دقيق في الوقت الحالي.

الأخبار

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى