اقتصاد

تمديد الدوام الرسمي.. هل تزيد ساعة العمل إنتاجية المؤسسات أم ترفع تكاليفها؟

لا يُعد تمديد ساعات الدوام الرسمي مجرد إضافة ساعة إلى يوم الموظف، بل هو قرار تتجاوز آثاره وقت العمل ليشمل كفاءة المؤسسات وتكاليف تشغيلها، واستقرار الموظفين وظروفهم الأسرية، فضلاً عن قدرة المواطنين على الحصول على الخدمات.
ومن هذا المنطلق، يرى أستاذ إدارة الأعمال في جامعة حلب الدكتور خليل حمدان، في حديثه لصحيفة «الوطن»، أن الأولوية قبل اتخاذ قرار بزيادة ساعات العمل يجب أن تكون معرفة مدى الاستفادة من ساعات الدوام الحالية، وما إذا كانت تُستثمر بصورة تحقق أعلى مستوى ممكن من الإنجاز.
ويؤكد حمدان أن وجود الموظف في مكان العمل طوال ساعات الدوام لا يعني بالضرورة تحقيق إنتاجية مرتفعة، فالأهم هو وضوح المهام والصلاحيات، وعدالة توزيع المسؤوليات، والتخلص من الإجراءات الروتينية والخطوات الإدارية التي يمكن اختصارها.
ويشير إلى ضرورة تحليل حجم المعاملات المنجزة، والوقت اللازم لإنهائها، وتحديد ساعات الذروة وأسباب التأخير، فقد تكون المشكلة مرتبطة بتعقيد الإجراءات أو ضعف التنسيق بين الأقسام، أو عدم توظيف الكفاءات والخبرات في المواقع المناسبة.
ويحذر من أن تمديد الدوام قبل تحديد مكامن الهدر قد يؤدي إلى زيادة ساعات وجود الموظفين داخل المؤسسات، من دون أن يقابله تحسن حقيقي في مستوى الخدمات أو حجم الإنجاز.
تبسيط الإجراءات وتحسين الإدارة قبل زيادة الساعات
ويشدد حمدان على أن معالجة ضعف الأداء تبدأ بخطوات تنظيمية وإدارية، تتقدمها مراجعة الإجراءات وتبسيطها، وتحديد مسؤوليات العاملين بدقة، وإعادة توزيع الكوادر وفق احتياجات العمل الفعلية، مع الاستفادة من خبرات الموظفين ووضع الشخص المناسب في الموقع المناسب.
كما يلفت إلى أن بيئة العمل تؤثر بصورة مباشرة في أداء الموظف، فكلما شعر بالتقدير والاحترام وأدرك قيمة ما يقدمه، ازدادت رغبته في المبادرة وتحمل المسؤولية وإنجاز مهامه بإتقان.
الأجر العادل ركيزة للاستقرار والإنتاجية
ولا تنفصل كفاءة الموظف، بحسب حمدان، عن مستوى الأجر الذي يتقاضاه ومدى تناسبه مع مسؤولياته ومتطلبات المعيشة. فالأجر المنصف يعزز الشعور بالاستقرار الوظيفي والعدالة، ويخفف الضغوط المرتبطة بتأمين الاحتياجات الأساسية.
ويؤكد أن الأجر وحده لا يكفي لضمان ارتفاع الإنتاجية، لكنه يشكل، إلى جانب الإدارة الجيدة والتقدير والراحة النفسية، عاملاً مساعداً على تعزيز ارتباط الموظف بعمله وتحسين أدائه.
ويضيف أن توفير بيئة عمل مناسبة قد يدفع الموظف إلى بذل جهد إضافي أو تخصيص وقت أطول عند الضرورة بمبادرة شخصية، لكن لا يجوز الاعتماد على ذلك بصورة دائمة أو اعتباره بديلاً عن التخطيط الإداري السليم.
زيادة الدوام قد ترفع النفقات من دون تحسين الخدمات
ويحذر أستاذ إدارة الأعمال من أن زيادة ساعات الحضور، في حال عدم وجود حاجة فعلية إليها أو تحسن في آليات العمل، قد تتحول إلى عبء إضافي على المؤسسات الحكومية.
فمثل هذا القرار قد يؤدي إلى ارتفاع نفقات التشغيل وتوسيع ظاهرة البطالة المقنّعة، من دون أن يشعر المواطن بأي تحسن ملموس في جودة الخدمات أو سرعة إنجاز معاملاته.
ويختصر حمدان هذه الإشكالية بأن معيار الإنتاجية ليس عدد الساعات التي يقضيها الموظف في مكتبه، وإنما حجم العمل الذي ينجزه وجودة النتائج التي يحققها خلال تلك الفترة.
تجارب الدول لا تجعل زيادة ساعات العمل حلاً وحيداً
وفي ما يتعلق بالمقارنات الدولية، يوضح حمدان أن متوسط ساعات العمل الفعلية في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية شهد تراجعاً على مدى سنوات طويلة، وإن تباطأت وتيرة الانخفاض خلال الفترة الأخيرة.
لكنه ينبه إلى أن هذه المؤشرات لا تعني وجود توجه موحد لدى معظم الدول لتقليص ساعات الدوام الرسمي، إذ تتأثر متوسطات ساعات العمل بعوامل مختلفة، من بينها انتشار العمل الجزئي والعمل الإضافي وطبيعة المهن والوظائف.
ويرى أن الدرس الأهم من هذه التجارب هو أن تحسين الأداء المؤسسي لا يتحقق بالضرورة من خلال زيادة مدة الحضور، بل عبر تطوير أساليب الإدارة ورفع كفاءة استثمار الوقت والموارد البشرية.
المناوبات خيار لتوسيع الخدمات أمام المواطنين
ويطرح حمدان المناوبات بوصفها أحد البدائل الممكنة في حال كانت الحاجة الأساسية هي إتاحة الخدمات الحكومية للمواطنين خلال فترة زمنية أطول.
فبدلاً من تمديد دوام جميع العاملين، يمكن تنظيم العمل بنظام المناوبات أو تمديد ساعات استقبال المراجعين في وحدات محددة تشهد ضغطاً أكبر، مع مراعاة أوقات الذروة والاستفادة من أنظمة الحجز المسبق والخدمات الإلكترونية حيثما أمكن.
ومن شأن هذه الخيارات أن تتيح استمرار تقديم الخدمات لفترة أطول، من دون تحميل جميع الموظفين والمؤسسات أعباء إضافية قد لا تكون ضرورية.
قياس الحاجة والتكلفة قبل اتخاذ القرار
ويخلص حمدان إلى أن التعامل مع مسألة تمديد الدوام يجب ألا ينطلق من التمسك بساعات العمل الحالية رغم أوجه القصور، ولا من اعتبار زيادة الساعات حلاً جاهزاً لمشكلات الأداء.
ويدعو بدلاً من ذلك إلى تحسين التنظيم الإداري، والاستفادة من الوقت والخبرات المتاحة، وتعزيز العدالة في الأجور والتعامل مع الموظفين، قبل تحديد حجم الخدمة المطلوبة وتقدير التكلفة الفعلية لأي تغيير في ساعات العمل.
ويؤكد أن السؤال الأساسي الذي ينبغي الإجابة عنه قبل مطالبة الموظف بالبقاء ساعة إضافية هو: ما حجم الإنجاز الذي تحققه ساعات الدوام الحالية، وأين يهدر الوقت داخل المؤسسات؟
فالإجابة عن هذين السؤالين هي التي تحدد ما إذا كانت الساعة الإضافية ضرورة لتحسين الخدمات، أم مجرد تكلفة جديدة لا تعالج الخلل القائم.
الوطن

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى