الاستثمار في سورية بين تحذيرات توم باراك والرهان على تعافي الاقتصاد.. أين تكمن الفرص؟

أعادت تصريحات المبعوث الرئاسي الأمريكي الخاص إلى سورية والعراق، توم باراك، بشأن صعوبة الاستثمار في سوريا، تسليط الضوء على واقع البيئة الاقتصادية في البلاد، ومدى استعدادها لاستقبال رؤوس الأموال الأجنبية بعد سنوات طويلة من الحرب والعقوبات.
ففي حين وصف باراك العثور على مستثمر مستعد لدخول السوق السورية بأنه «شبه مستحيل» في الظروف الحالية، مشيراً إلى ضعف القطاع المصرفي وتقلبات العملة والمخاطر الأمنية وطول فترة استرداد رأس المال، تظهر تحركات شركات دولية في قطاعات استراتيجية أن المشهد لا يخلو من فرص، رغم استمرار العقبات الهيكلية والمالية.
باراك يحذر من المخاطر ويتواصل مع شركات عالمية
جاءت تصريحات المبعوث الأمريكي خلال مشاركته، الخميس، في فعالية «Global Perspectives: In Doha»، التي نظمتها شبكة «CNN» في العاصمة القطرية، بحضور مسؤولين وشخصيات دولية، بينهم رئيس الوزراء القطري.
ولم يقتصر حديث باراك على الصعوبات التي تواجه المستثمرين، بل كشف أيضاً عن اتصالات أجراها مع شركات دولية، من بينها «إكسون موبيل» و«شيفرون» و«كونوكو فيليبس» و«توتال»، لحثها على دراسة فرص الاستثمار في سوريا.
ويعكس ذلك أن واشنطن لا تتعامل مع السوق السورية باعتبارها مغلقة تماماً، بل تسعى إلى تشجيع الشركات على استكشاف الفرص المتاحة، بالتوازي مع الإقرار بأن دخولها يتطلب معالجة مجموعة من المخاطر.
وأوضح باراك أن الاستثمار المطلوب في قطاعي النفط والطاقة يقدر بمليارات الدولارات، وقد يستغرق ما بين 10 و15 عاماً قبل تحقيق عوائد ملموسة. وتبرز هذه المدة حجم التحديات التي تواجه المشروعات الاستراتيجية في بلد لا تزال بنيته التحتية متأثرة بسنوات النزاع، فيما يعاني نظامه المالي صعوبات في تمويل التجارة وإجراء التحويلات وتسوية المدفوعات الدولية.
وتضاف إلى ذلك حاجة القطاع المصرفي السوري إلى تحديث أنظمته وتعزيز قدرته على التعامل مع المؤسسات المالية العالمية، فضلاً عن معالجة مخاوف الامتثال والقيود المرتبطة بالعقوبات السابقة، والتي ما زالت تؤثر في قرارات بعض البنوك والشركات الأجنبية.
كما أن عدم استقرار البيئة التنظيمية، وغموض بعض القواعد الناظمة للاستثمار، إلى جانب المخاطر الأمنية والسياسية، كلها عوامل تزيد كلفة المشروعات وتدفع المستثمرين إلى التريث قبل الالتزام باستثمارات طويلة الأجل.
216 مليار دولار احتياجات التعافي وإعادة الإعمار
تتضح أهمية هذه التحديات عند النظر إلى حجم التمويل المطلوب لإعادة بناء الاقتصاد السوري. فقدّر البنك الدولي احتياجات التعافي وإعادة الإعمار بنحو 216 مليار دولار، وهو رقم يعكس اتساع الفجوة التمويلية وحجم العمل المطلوب لإعادة تأهيل البنية التحتية والقطاعات الإنتاجية.
لكن هذه الصعوبات لا تعني غياب الاهتمام الدولي بالاستثمار في سوريا. فقد شهد عام 2026 تحركات لشركات أجنبية باتجاه قطاع الطاقة، تفاوتت بين مذكرات تفاهم واتفاقيات أولية ومشروعات وصلت إلى مراحل أكثر تقدماً.
ففي شباط/فبراير الماضي، وقعت شركة «شيفرون» الأمريكية مذكرة تفاهم لاستكشاف النفط والغاز في المياه الإقليمية السورية، بالشراكة مع شركة قطرية. وفي أيار/مايو، أبرمت شركات «توتال إنرجيز» الفرنسية و«كونوكو فيليبس» الأمريكية و«قطر للطاقة» اتفاقاً لدراسة فرص الاستثمار في قطاع الطاقة البحرية.
حقول النفط.. من الاتفاقيات إلى خطوات التنفيذ
على صعيد النفط البري، سجلت شركة «HKN» الأمريكية تقدماً في تحركاتها من خلال توقيع عقد طويل الأجل لتطوير سبعة حقول نفطية في منطقة رميلان.
كما توصلت شركتا «كونوكو فيليبس» و«نوفاتيرا» إلى اتفاقات للتعاون في تطوير حقول الغاز، في مؤشرات على وجود اهتمام دولي بقطاع الطاقة السوري.
ومع ذلك، لا تعني هذه الاتفاقيات بالضرورة أن جميع المشروعات دخلت مرحلة التنفيذ، أو أن الأموال الموعودة تحولت بالفعل إلى استثمارات على الأرض.
وتشير قراءة تقرير مجموعة «أكسفورد للأعمال» عن الاقتصاد السوري لعام 2026 إلى أن التحدي الأبرز يتمثل في نقل الاتفاقيات ومذكرات التفاهم من مرحلة الإعلان إلى التمويل الفعلي والتشغيل. فما زال عدد كبير من المشروعات المعلنة بحاجة إلى استكمال متطلبات فنية ومالية وتنظيمية قبل الانتقال إلى التنفيذ.
وهذا الجانب يفسر جزءاً من التحفظ الذي عبّر عنه باراك، لكنه لا يكفي وحده للحكم على مستقبل الاستثمار في سوريا، إذ تختلف الفرص باختلاف طبيعة كل مشروع والجهات المشاركة فيه والمرحلة التي وصل إليها.
صندوق النقد يرصد مؤشرات على التعافي
في المقابل، تبدو تقديرات المؤسسات المالية الدولية أقل تشاؤماً. فقد أشار صندوق النقد الدولي، عقب زيارة بعثته إلى دمشق في شباط/فبراير 2026، إلى أن النشاط الاقتصادي في سوريا يشهد تعافياً متسارعاً، مدعوماً بتحسن ثقة المستهلكين والمستثمرين، وعودة اللاجئين، وزيادة إمدادات الكهرباء، وتحسن الاندماج الإقليمي، ورفع عدد من العقوبات الدولية.
كما رأى الصندوق أن المشروعات الاستثمارية الجديدة يمكن أن تدعم آفاق النمو خلال عام 2026 والسنوات التالية، مع التأكيد على أهمية تحسين الحوكمة ودراسة الالتزامات المالية المترتبة على المشروعات الكبرى.
المشروعات الصغيرة والمتوسطة.. فرص خارج قطاع الطاقة
في قراءة لتصريحات باراك، يرى الباحث الاقتصادي يحيى السيد عمر أن وصف الاستثمار في سورية بأنه «شبه مستحيل» لا ينبغي اعتباره حكماً نهائياً على السوق، بل يجب فهمه في سياقه السياسي والاقتصادي، والرسائل التي تحملها التصريحات بشأن الشروط اللازمة لجذب الاستثمارات الأجنبية الكبرى.
وقال عمر، في منشور على صفحته في «فيسبوك»، إن قطاعات المطارات والموانئ والطاقة والنفط والغاز تحتاج إلى رؤوس أموال ضخمة وفترات طويلة لاستردادها، لكن ذلك لا يعني أن الفرص الاستثمارية غائبة عن بقية القطاعات.
وشدد على أهمية المشروعات الصغيرة والمتوسطة في تنشيط الأسواق وتوفير فرص العمل وزيادة الإنتاج والدخل والإيرادات العامة.
وأضاف أن التركيز على مشروعات الطاقة والبنية التحتية ينبغي ألا يكون على حساب الزراعة والصناعة، لما لهذين القطاعين من دور في تعزيز الأمن الغذائي وتقليل الاعتماد على الاستيراد والحد من الضغط على العملات الأجنبية.
واعتبر أن التعافي الاقتصادي يتطلب تحريك رأس المال المحلي، وتوسيع الشراكات العربية السورية، والعمل على توفير بيئة مستقرة تتسم بوضوح القواعد التنظيمية وتشجع النشاط الإنتاجي.
وتنسجم هذه الرؤية مع ما أورده برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في تقريره الصادر في 22 كانون الثاني/يناير 2026 حول القطاع الخاص السوري، إذ أكد أن التعافي لا يمكن أن يعتمد على المشروعات الكبرى وحدها.
وأشار التقرير إلى الدور المحوري للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة والأنشطة الزراعية والصناعات التحويلية وسلاسل القيمة المحلية في خلق فرص العمل وتنشيط الأسواق، كما لفت إلى أهمية استثمارات المغتربين السوريين بوصفها مصدراً محتملاً للتمويل والخبرات والعلاقات التجارية.
الإنتاج المحلي ودوره في دعم الليرة السورية
من زاوية أخرى، يربط الخبير الاقتصادي جورج خزام بين حماية الإنتاج المحلي ومعالجة الاختلالات النقدية والاقتصادية. ويرى، في منشور عبر صفحته على «فيسبوك»، أن زيادة الإنتاج الصناعي والزراعي تمثل أساساً اقتصادياً ضرورياً لدعم الليرة السورية.
ويحذر خزام من أن فتح الأسواق أمام المستوردات من دون توفير الحماية والظروف التنافسية المناسبة للمنشآت المحلية قد يؤدي إلى تراجع الإنتاج وارتفاع البطالة وزيادة الطلب على العملات الأجنبية.
ويستند في طرحه إلى أن قوة الدولار لا تقوم على وجود غطاء ذهبي، بل ترتبط بالثقة بالاقتصاد الأمريكي ومؤسساته ومكانته في التجارة الدولية.
ويتفق ذلك مع طبيعة النقود الإلزامية، التي لا تستند إلى حق استبدالها بالذهب، وإن كانت قيمة العملة تتأثر بمجموعة من العوامل، من بينها الثقة والسياسة النقدية والقدرة الإنتاجية وحجم الاقتصاد. كما توضح بيانات مجلس الاحتياطي الفيدرالي أن النظام النقدي الأمريكي لم يعد قائماً على قابلية تحويل الدولار إلى الذهب منذ عقود.
الاستثمار والتطبيع ضمن حسابات سياسية أوسع
لم تقتصر تصريحات باراك في الدوحة على الملف الاقتصادي، بل تناولت أيضاً مستقبل العلاقات السورية الإسرائيلية، إذ تحدث عن استعداد القيادة السورية لإقامة علاقة مختلفة مع إسرائيل والتوصل إلى تفاهمات تنهي حالة العداء، معتبراً أن الحوار والدبلوماسية يمثلان الطريق نحو تسوية طويلة الأمد.
ولا يعني تزامن الحديث عن الاستثمار مع هذه التصريحات وجود ارتباط مباشر أو شروط متبادلة بين الملفين، لكنه يوضح أن واشنطن تنظر إلى مستقبل سوريا من خلال مسارات متداخلة تشمل الأمن والسياسة والاقتصاد والعلاقات الإقليمية.
وبذلك، تحمل تصريحات باراك جانباً من التقييم الاقتصادي الذي يستند إلى عقبات حقيقية، لكنها تأتي أيضاً في سياق سياسي أوسع يتناول شكل الانفتاح السوري وشروطه.
ولا تتوافر، وفق المعطيات الواردة، أدلة كافية للجزم بأن التحذير من صعوبة الاستثمار يمثل رسالة ضغط سياسي مرتبطة بشروط محددة.
إلا أن التحدي الأساسي أمام الحكومة السورية يبقى في تحويل الاهتمام الدولي والاتفاقيات المعلنة إلى تمويل فعلي ومشروعات منتجة، بالتوازي مع بناء اقتصاد محلي قادر على تحريك الإنتاج وتقليل الاعتماد على الاستثمارات الخارجية وحدها.
الحل



