الصناعة السورية بين الخبرات المتراكمة وارتفاع تكاليف الإنتاج

رغم ما تمتلكه سورية من خبرات صناعية متراكمة وأيدٍ عاملة ماهرة ومقومات إنتاجية في قطاعات متعددة، لا تزال الصناعة المحلية تواجه صعوبات تحد من قدرتها على تحويل هذه الإمكانات إلى منتجات تنافسية في الأسواق. وتبرز تكاليف الطاقة والمواد الأولية وضعف التمويل وتراجع تحديث الآلات ضمن أبرز العوامل التي تعرقل هذا المسار.
ويرى الخبير الاقتصادي والمصرفي الدكتور إبراهيم نافع قوشجي، في حديثه لـ«الوطن»، أن الاقتصاد السوري، رغم الأضرار الكبيرة التي لحقت به، ما زال يحتفظ بجزء مهم من قدراته الإنتاجية، سواء من حيث الخبرات الصناعية المتراكمة أو المهارات الفنية واليد العاملة، إضافة إلى الموقع الجغرافي والأسواق التي يمكن أن تشكل فرصاً للنمو والتوسع.
ويستشهد قوشجي بصناعة النسيج والألبسة في حلب، باعتبارها من القطاعات التي لا تزال تمتلك قاعدة خبرات واسعة، إذ يستطيع الصناعي السوري إنتاج سلع ذات جودة وقدرة على المنافسة مع منتجات دول أخرى، مستفيداً من انخفاض تكلفة العمالة نسبياً.
لكن هذه الميزة، بحسب قوشجي، لا تكفي وحدها لضمان القدرة التنافسية، فالمعيار الحقيقي لا يقتصر على أجور العمال، بل يشمل مجموع التكاليف التي تدخل في إنتاج السلعة، بدءاً من الطاقة والمواد الأولية، مروراً بالتمويل والنقل والضرائب، وصولاً إلى التكنولوجيا ومستوى الإنتاجية.
ارتفاع التكاليف يبدد مزايا الصناعة
ويوضح قوشجي أن الصناعي السوري يواجه معادلة صعبة؛ فعلى الرغم من توافر الخبرات وانخفاض الأجور نسبياً، فإن ارتفاع أسعار الكهرباء والوقود، وصعوبة تأمين مستلزمات الإنتاج، ومحدودية التمويل المصرفي، وتهالك جزء من المعدات والآلات، إلى جانب الأعباء الضريبية والإدارية، كلها عوامل ترفع التكلفة النهائية للمنتج.
وبذلك، تتحول ميزة انخفاض أجور العمال في بعض الأحيان إلى مجرد تعويض جزئي عن أعباء أخرى، بدلاً من أن تكون عاملاً كافياً لتعزيز تنافسية الصناعة.
ولا تنفصل هذه التحديات عن المشكلات الأوسع التي يعاني منها الاقتصاد السوري؛ فالقطاع الخاص يواجه نقصاً في رؤوس الأموال واعتماداً كبيراً على المستوردات، في حين يعاني القطاع العام من مشكلات إدارية وإنتاجية، كما لا يزال التمويل المصرفي دون المستوى المطلوب لدعم الاستثمار والأنشطة الإنتاجية.
إلى جانب ذلك، فإن ضعف الترابط بين قطاعات الزراعة والصناعة والخدمات يحد من الاستفادة من الموارد المحلية، ويقلل فرص زيادة القيمة المضافة داخل الاقتصاد، مع استمرار الاعتماد على الخارج في تأمين جزء من الاحتياجات.
218 مشروعاً فقط دخلت مرحلة الإنتاج
وتكشف بيانات صناعية منشورة عن فجوة واضحة بين عدد المشاريع التي تحصل على التراخيص وتلك التي تتمكن من الانتقال إلى مرحلة التشغيل الفعلي؛ إذ دخل 218 مشروعاً صناعياً مرحلة الإنتاج من أصل 2225 مشروعاً مرخصاً خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025.
وتعكس هذه الأرقام، وفق قراءة قوشجي، أن الحصول على الترخيص لا يعني بالضرورة القدرة على تنفيذ المشروع ووضعه في الخدمة، في ظل العقبات التي تواجه المستثمرين عند تأمين التمويل والتجهيزات والمواد الأولية ومصادر الطاقة.
ويؤكد واقع الصناعة أن امتلاك الخبرات والموارد البشرية لا يكفي وحده لتحقيق المنافسة، ما لم يترافق مع بيئة إنتاج أكثر استقراراً، وتكاليف مناسبة، وتمويل متاح، وتحديث للآلات، وتكامل أكبر بين القطاعات الاقتصادية.
وبالتالي، فإن استعادة قدرة الصناعة السورية على المنافسة تتطلب معالجة العوائق التي تحول دون تشغيل المشاريع، لا الاكتفاء بزيادة عدد التراخيص أو التعويل على المزايا التقليدية التي يمتلكها المنتج المحلي.
الوطن



