“أتحسس مسدسي” كلما طلعت عالاخبارية.. مطالبات بمحاسبة مسؤول هدّد مذيعة سورية
أثار منشور لرئيس لجنة الاستجابة الطارئة في دير الزور، فايز عباس، موجة من الانتقادات والتفاعل بين صحفيين وقانونيين سوريين، بعدما كتب عبر حسابه على «فيسبوك»: «كلما خرجت على هذه القناة أتحسس مسدسي»، مرفقاً العبارة بمقطع مقتطع من مقابلة تلفزيونية مع الإعلامية نور الهدى مراد على شاشة «تلفزيون سوريا».
وجاء المنشور عقب استضافة مراد لعباس للحديث عن تداعيات الأمطار الغزيرة والفيضانات التي شهدتها محافظتا دير الزور والرقة، وهي مقابلة تناولت الأوضاع الإنسانية والاحتياجات الناتجة عن الأحوال الجوية، بعيداً عن السجالات السياسية أو الخلافات الشخصية.
لكن العبارة التي نشرها المسؤول، مرفقة بصورة الإعلامية، فتحت باباً واسعاً للجدل حول دلالاتها، ولا سيما ما قد يُفهم منها بوصفه تلويحاً بالعنف تجاه صحفية كانت تمارس عملها المهني.
وزاد التفاعل مع المنشور بعدما أبدت عضو مجلس الشعب عن دير الزور، الدكتورة إسراء المشهور، إعجابها به، ما أثار تساؤلات بشأن موقف شخصيات تشغل مواقع رسمية من خطاب يمكن أن يُفسر على أنه تهديد أو ترهيب.
تبرير العبارة من دون اعتذار مباشر
وفي مواجهة الانتقادات، نشر عباس توضيحاً قال فيه إن عبارة «أتحسس مسدسي» وردت على سبيل المجاز، وكان يقصد بها الحذر والانتباه وانتقاء الكلمات قبل الحديث، مضيفاً أن ما كتبه كان بمثابة «مديح مبطن» للإعلامية، في إشارة إلى جرأتها وذكائها في إدارة الحوار.
واستند عباس في تبريره إلى مفهوم التورية، نافياً أن يكون قد قصد التهديد أو الوعيد، كما تساءل عن سبب استضافته المتكررة على شاشة «تلفزيون سوريا» لو كان يحمل موقفاً عدائياً تجاه القناة.
وأكد في المقابل أن حرية الإعلام والتعبير وتعدد الآراء حقوق ينبغي أن تحميها الدولة.
إلا أن توضيحه لم يتضمن اعتذاراً صريحاً للإعلامية نور الهدى مراد أو لإدارة القناة عن نشر العبارة مقرونة بصورة المذيعة، وهو ما أبقى الجدل قائماً، خصوصاً أن صاحب المنشور يشغل منصباً رسمياً في المحافظة.
مطالب قانونية بالتحقيق في المنشور
من جانبه، دعا الخبير في القانون الدولي المعتصم الكيلاني النيابة العامة في دير الزور إلى التحقق من المنشور ونسبته إلى صاحبه، وجمع الأدلة الرقمية المرتبطة به، واتخاذ الإجراءات القانونية المناسبة وفق ما تظهره نتائج التحقيق.
واعتبر الكيلاني أن نشر صورة صحفية إلى جانب عبارة تتضمن إشارة إلى استخدام مسدس يستدعي التحقق من السياق والدلالات، مشيراً إلى ضرورة إجراء مراجعة مسلكية أيضاً، بالنظر إلى المسؤولية الرسمية التي يتولاها صاحب المنشور.
واستند في مطالبته إلى مواد من قانون أصول المحاكمات الجزائية السوري الصادر بالمرسوم التشريعي رقم 112 لعام 1950 وتعديلاته، ولا سيما المواد 17 و20 و22 و26، المتعلقة بصلاحيات النيابة العامة في استقصاء الجرائم وتلقي الإخبارات والشكاوى ومباشرة الإجراءات القانونية.
وشدد الكيلاني على أن دعوته إلى التحقيق لا تعني إصدار حكم مسبق بشأن الواقعة، مؤكداً أن تحديد المسؤولية والتوصيف القانوني النهائي من اختصاص القضاء.
محامٍ يحذر من دلالات الخطاب الصادر عن مسؤول رسمي
وأعلن المحامي المختص في جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، ياسر شالتي، تضامنه مع الإعلامية نور الهدى مراد، معتبراً أن حساسية الواقعة ترتبط، إلى جانب مضمون العبارة، بصدورها عن مسؤول يتولى رئاسة لجنة الاستجابة الطارئة في دير الزور.
وقال شالتي إن مراد تتمتع بمهنية عالية، وتدير حواراتها بهدوء وموضوعية واحترافية، مستنداً إلى تجربته الشخصية في الظهور معها في مناسبات إعلامية متعددة.
وأشار إلى تعرض الإعلامية سابقاً لحملات إساءة وتشهير، معتبراً أن الانتقال إلى استخدام تعبيرات تتصل بالسلاح، حتى مع تقديمها لاحقاً على أنها مجازية، يثير مخاوف تتعلق بالترهيب والضغط على الصحفيين.
كما أثار شالتي تفاعل عضو مجلس الشعب إسراء المشهور مع المنشور، معتبراً أن ذلك يطرح تساؤلات إضافية حول كيفية التعامل مع عبارات يمكن فهمها على أنها تهديد مبطن بالعنف.
وأكد أن الاختلاف مع الصحفيين أو الاعتراض على أسئلتهم لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة للضغط عليهم أو تخويفهم، مشدداً على أن احترام كرامة الإعلاميين وحرية العمل الصحفي من المبادئ الأساسية في بناء المؤسسات.
محمد العبد الله: القضية تتجاوز شخص الإعلامية
بدوره، علّق مدير المركز السوري للعدالة والمساءلة، محمد العبد الله، زوج الإعلامية نور الهدى مراد، على ما تعرضت له زوجته، موضحاً أنه تجنب خلال العامين الماضيين اتخاذ مواقف علنية للدفاع عنها، انطلاقاً من ثقته بقدرتها على إدارة حواراتها والرد على الانتقادات.
وقال العبد الله إن المقابلة الأخيرة لم تكن سياسية أو مسيسة، بل تناولت التداعيات الإنسانية للأمطار والفيضانات في دير الزور والرقة، معتبراً أن نشر مسؤول رسمي عبارة تتصل بمسدسه عقب مشاركته في اللقاء يمثل تطوراً مثيراً للقلق.
وربط العبد الله الواقعة بحملات سابقة قال إن مراد تعرضت لها بسبب بعض حواراتها الإعلامية ومواقفها المرتبطة بالنقاش السياسي والإصلاحات في سورية.
وأشار إلى حملات أعقبت مقابلة مع عضو مجلس الشعب حسن الدغيم، وأخرى عُرفت باسم حملة «بغض النظر»، موضحاً أن بعض الانتقادات تجاوزت مناقشة الأداء الإعلامي إلى الإساءة الشخصية والشتائم والتهديدات.
وأضاف أن الاستهداف، بحسب قوله، لم يقتصر على الإعلامية، بل شمل أيضاً «تلفزيون سوريا»، من خلال دعوات إلى إغلاق القناة وسحب ترخيصها والاعتراض على دورها الإعلامي.
وحمّل العبد الله الجهات والأشخاص الذين قال إنهم شاركوا في حملات التحريض والكراهية، إلى جانب الحكومة السورية، مسؤولية سلامة زوجته في حال تعرضها لأي أذى جسدي.
صحفي يربط العبارة بخلفية تاريخية
من زاوية أخرى، تناول الصحفي قاسم البصري العبارة المتداولة من منظور تاريخي، مشيراً إلى ارتباطها بمسرحية للكاتب الألماني هانس يوهست، الذي ارتبط اسمه بالمسرح النازي
وأوضح البصري أن الصيغة الأصلية المنسوبة إلى المسرحية هي: «كلما سمعت كلمة ثقافة ألغيت أمان مسدسي»، وهي عبارة ارتبطت لاحقاً بالخطاب النازي وتداولتها مصادر بصيغ مختلفة ونسبتها إلى شخصيات من النظام النازي.
ورأى البصري أن استحضار تعبير من هذا النوع في سياق الخلاف مع صحفية ووسيلة إعلامية يثير تساؤلات تتجاوز حدود الاعتراض على الأداء الإعلامي، خصوصاً لما تحمله مفردات السلاح من دلالات ترهيبية في المجال العام.
إبراهيم الخليل: مسؤولية مضاعفة عن الخطاب الرسمي
الصحفي إبراهيم الخليل أعلن بدوره تضامنه مع نور الهدى مراد، معتبراً أن صدور عبارات من هذا النوع عن مسؤولين محليين يثير القلق، خاصة في ظل وقائع سابقة تحدث عنها تتعلق بتهديدات طالت مواطنين وصحفيين في المحافظة.
واستشهد الخليل بحادثة قال إنها تضمنت تهديداً من مسؤول العلاقات العامة أيمن الحمد بتحطيم هاتف صحفية على رأسها، بعد أن كانت توثق حديثه.
وربط الخليل بين الواقعتين، مشدداً على ضرورة احترام الصحفيات والنساء العاملات في المجال العام، وعدم استخدام التهديد أو الإساءة للتعامل معهن، ومؤكداً تضامنه مع مراد وحقها في ممارسة عملها بعيداً عن الترهيب.
حرية الصحافة وحدود مسؤولية المسؤولين
أعادت الواقعة طرح تساؤلات بشأن مسؤولية الشخصيات العامة والمسؤولين الحكوميين عن طبيعة الخطاب الذي ينشرونه عبر منصات التواصل الاجتماعي، خصوصاً عندما يتضمن عبارات ترتبط بالسلاح أو العنف في سياق خلاف مع وسيلة إعلامية أو صحفي.
ورغم تأكيد فايز عباس أن عبارته مجازية ولا تحمل تهديداً، فإن نشرها بالتزامن مع صورة إعلامية محددة، وبعد مقابلة تلفزيونية معها، فتح المجال أمام تفسيرات مختلفة عن المعنى الذي قال إنه قصده.
كما أثار تفاعل عضو في مجلس الشعب مع المنشور نقاشاً حول موقف الشخصيات العامة من الخطاب الذي قد يُفهم على أنه تقليل من خطورة التهديد أو تطبيع مع مفردات الترهيب.
ولا يتعلق الجدل بحق المسؤول في انتقاد الإعلام أو الاعتراض على الأسئلة التي تُطرح عليه، فذلك يدخل في إطار حرية التعبير والاختلاف، بل بالحدود التي تفصل بين النقد المشروع واستخدام لغة قد تثير الخوف على سلامة الصحفيين.
وفي انتظار أي موقف رسمي أو إجراء قضائي بشأن الواقعة، تبقى القضية مرتبطة بمسألة أوسع تتعلق بحماية حرية الصحافة وضمان قدرة العاملين فيها على أداء مهامهم دون تهديد أو ضغط، ولا سيما عندما يصدر الخطاب المثير للجدل عن شخص يشغل موقعاً رسمياً.
فاختبار احترام حرية الإعلام لا يكون عندما تكون الأسئلة مريحة، بل عندما يواجه المسؤول أسئلة صعبة أو انتقادات لا تعجبه، من دون أن يتحول الخلاف إلى لغة تثير المخاوف على سلامة الصحفيين.
تلفزيون سوريا



