الاخبار

بناء الجيش السوري.. قوة دفاعية أم تهديد لإسرائيل؟

تتبع القيادة السورية الجديدة برئاسة أحمد الشرع نهجاً تقليدياً مألوفاً في التاريخ السياسي للبلاد، عبر التركيز العلني على إعادة بناء المؤسسة العسكرية لضمان ولاء القيادات وترسيخ أركان الحكم. وبحسب قراءة المحللين، فإن هذه التحركات لم تمر دون ارتدادات إقليمية؛ إذ تسببت في إثارة مخاوف أمنية بالغة لدى إسرائيل من ولادة تهديد عسكري جديد على حدودها الشمالية، ما دفعها لشن عمليات عسكرية متكررة طوال الأشهر الماضية. وينعكس هذا التوجه السوري الجديد رقمياً في موازنة عام 2026، حيث حظي قطاعا الدفاع والأمن بنصيب الأسد بواقع 4.3 مليارات دولار، وهو ما يعادل 41% من إجمالي الموازنة العامة البالغة 10.5 مليارات دولار، ويمثل قفزة نوعية مقارنة بإنفاق الحكومة بأكملها في عام 2025 والذي لم يتجاوز 3.45 مليارات دولار.

توترات الجولان والمواقف السياسية
تتصدر مرتفعات الجولان، التي تحتلها إسرائيل وتديرها منذ عام 1967، قائمة القضايا الجوهرية ومصادر القلق. وبينما يرى المجتمع الدولي الجولان أرضاً سورية محتلة، اعترف الرئيس الأميركي دونالد ترامب بسيادة إسرائيل عليها خلال ولايته الأولى.

وفي حديث أمام المجلس الأطلسي قبيل انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة الشهر الماضي، نقل الشرع أنه قال لترامب مازحاً إن الأولى كان منح إسرائيل ولاية نيوجيرسي بدلاً من الجولان. وأكد الشرع لاحقاً في كلمته أمام الأمم المتحدة أن “الجولان سيبقى أرضاً سورية”، ليرد عليه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو من المنصة ذاتها بقوله إن “اليهود عاشوا في مرتفعات الجولان منذ أيام موسى”.

القلق الإسرائيلي والدور التركي
أبدت إسرائيل قلقاً متزايداً من النفوذ التركي داخل حكومة الشرع ودوره في تطوير القدرات العسكرية. وشهدت منتصف أغسطس غارات إسرائيلية على قاعدة أبو الظهور الجوية شمالي سوريا، عقب أنباء استخباراتية عن عزم تركيا إنشاء محطة رادار هناك، في استعراض لحرية الحركة الجوية الإسرائيلية.

ومنذ سقوط بشار الأسد في ديسمبر 2024، عملت الحكومة الانتقالية برئاسة الشرع على إظهار توجه جديد أثمر عن رفع العقوبات الأميركية، وشطب “هيئة تحرير الشام” المنحلة من قائمة الإرهاب، ثم رفع اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب. غير أن المهمة الداخلية تتركز حالياً على تحويل الفصائل المسلحة السابقة إلى قوة نظامية موحدة.

وأوضحت دانا بولاك، الباحثة في مركز “ألما” الإسرائيلي، أن مخاوف إسرائيل لا تقتصر على إعادة بناء الجيش بحد ذاته، بل تنبع من طبيعة القوة المشكلة وتضمين قيادتها عناصر سابقين من خلفيات جهادية، إضافة إلى التجهيز والتدريب التركي. وبيّنت أن القلق يتضاعف إذا اتجهت سوريا لاقتناء دفاعات جوية متطورة وصواريخ بعيدة مدى، أو عند تنفيذ حشد عسكري بالقرب من حدود درعا والقنيطرة.

قراءة تحليليّة ومعضلة التسلح
على الجانب الآخر، يرى جوشوا لانديس، مدير مركز دراسات الشرق الأوسط في جامعة أوكلاهوما، أن التخوف الإسرائيلي في غير محله حالياً، مؤكداً أن إسراع القادة الجدد لبناء الجيش يهدف عادة لضمان الولاء الداخلي وإدارة الحكم وتأمين بقاء الدولة، وليس تمهيداً لحرب خارجية.

وأضاف لانديس أن سوريا لا تملك القدرة على تهديد إسرائيل وتفتقر لوسائل الدفاع في مواجهة التوغلات الجوية أو الصواريخ. ولفت إلى أن الشرع يواجه “معضلة التسلح” التاريخية نفسها المتمثلة في رفض الدول الغربية تزويد سوريا بأسلحة متطورة قد تُستخدم ضد إسرائيل، مما يدفعه للجوء إلى تركيا، وتجنب التعامل مع روسيا التي استضافت الأسد.

وتوقع لانديس استمرار إسرائيل في تطبيق استراتيجية “جز العشب” عبر الضربات العسكرية المباشرة والتوغلات المشترطة بإبقاء الجيش السوري ضعيفاً، مؤكداً أن دمشق تبقى في الوقت الراهن منشغلة بتأمين استقرارها الداخلي وحماية مقومات بقائها.

الحرة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى