صناعة الفراء في سورية.. حرفة عمرها أكثر من 150 عاماً تواجه خطر الاندثار

بين الفراء الطبيعي الذي قد يصل سعره إلى ملايين الليرات السورية، والمنتجات الصناعية التي تتوافر بأسعار أقل بكثير، تحاول صناعة الفراء في سورية الحفاظ على مكانتها كإحدى الحرف التقليدية المرتبطة بتراث الشتاء السوري. لكن ارتفاع تكاليف الإنتاج وتراجع القدرة الشرائية وتقلص أعداد الحرفيين تضع هذه المهنة أمام تحديات تهدد استمرارها.
في الخامسة والسبعين من عمره، لا يزال محمد عمار الجاجة، المعروف بلقب «شيخ الكار»، يعمل في صناعة الفراء التي تعلم أصولها من والده، مستنداً إلى خبرة عائلية تمتد لأكثر من 150 عاماً.
ويواصل أحد أبنائه، البالغ 47 عاماً، العمل إلى جانبه، في محاولة للحفاظ على المهنة ونقل خبراتها إلى الجيل التالي.
ويشير الجاجة إلى أن الفروة السورية ارتبطت تاريخياً بحياة البدو ورعاة الأغنام، إذ كانت تُصنع من الجلود الطبيعية لتوفير الحماية من البرد في فصل الشتاء. ومع انتقال هذه الصناعة إلى المدن، تطورت أشكال الفراء وتصاميمه، وأُدخلت إليه إضافات مثل السحّابات والقلنسوات لتصبح منتجاته أكثر تنوعاً وملاءمة لاحتياجات المستهلكين.
لكن ارتفاع أسعار الفراء الطبيعي، مقابل انتشار البدائل الصناعية الأرخص، غيّر طبيعة الطلب في الأسواق، وأصبح الحفاظ على هذه الحرفة أكثر صعوبة في ظل الظروف الاقتصادية الحالية.
الفراء الطبيعي لم يعد في متناول معظم المستهلكين
يقول عماد سنان، أحد العاملين في صناعة الفراء، إن المنتجات الطبيعية لا تزال تجد زبائنها، لكن معظمهم ينتمون إلى الفئات ذات الدخل المرتفع، بينما تتجه شريحة واسعة من المستهلكين إلى الفراء الصناعي بسبب انخفاض أسعاره وتعدد أشكاله.
ويوضح سنان لموقع «تلفزيون سوريا» أن أسعار الفراء الطبيعي المصنوع من جلود الخراف الصغيرة تتراوح بين ثمانية وعشرة ملايين ليرة سورية، فيما تبدأ أسعار الفراء المخصص للرعاة من مليون إلى مليون ونصف المليون ليرة.
في المقابل، تتراوح أسعار القطع الصناعية المخصصة للأطفال بين 50 و60 ألف ليرة، وتبلغ أسعار القطع الرجالية نحو 120 ألف ليرة، وقد ترتفع إلى 600 أو 700 ألف ليرة وفقاً للجودة والخامات المستخدمة.
ولا يقتصر تراجع الصناعة على المبيعات، بل امتد إلى أعداد الحرفيين المتخصصين، إذ يقدر سنان عدد العاملين في صناعة الفراء الطبيعي بنحو 10 إلى 15 شخصاً فقط في سورية، عازياً ذلك إلى ارتفاع أسعار الجلود وصعوبة مراحل التصنيع والحاجة إلى مهارات وخبرات خاصة.
ويضيف أن المواد الأولية المستخدمة في صناعة الفراء الصناعي تأتي بمعظمها من الصين، بينما يعتمد إنتاج الفراء الطبيعي على جلود الأغنام المحلية.
الفراء وسيلة لمواجهة ارتفاع تكاليف التدفئة
وفي سوق الفراء بدمشق، يبحث عمر الطياوي، القادم من دير الزور، عن قطع مناسبة له ولأطفاله الثلاثة، استعداداً لموسم الشتاء، في ظل ارتفاع تكاليف التدفئة المنزلية.
ويقول الطياوي لـ«تلفزيون سوريا» إن انخفاض درجات الحرارة خلال ساعات المساء في دير الزور يدفعه إلى البحث عن وسائل إضافية لتأمين الدفء لأسرته، خصوصاً أن تشغيل المدافئ لفترات طويلة أصبح مكلفاً مع ارتفاع أسعار المحروقات والكهرباء.
ويشير إلى أن الفروة توفر خياراً يساعد على مواجهة البرد داخل المنزل وخارجه، ولا سيما بالنسبة للأطفال، لكنه يواجه صعوبة في اختيار منتجات تلبي احتياجات عائلته وتتناسب في الوقت نفسه مع إمكاناته المادية.
سجلات تجارية توثق تاريخ المهنة منذ عام 1932
ورغم تراجع الإقبال على الفراء الطبيعي، لا تزال عائلات دمشقية تحافظ على هذه الصناعة، مستفيدة من الخبرة التي تراكمت لديها عبر أجيال متعاقبة.
ويقول حسن المعراوي إن عائلته تعمل في صناعة الفراء منذ عقود، وتحتفظ بدفاتر تجارية يعود تاريخها إلى عامي 1932 و1933، توثق تعاملات الأجداد مع الزبائن، وتشكل شاهداً على امتداد هذه الحرفة في دمشق.
ويوضح أن سعر الفروة الطبيعية المصنوعة من جلود الخراف الصغيرة قد يتراوح بين ستة وثمانية ملايين ليرة سورية، بينما تتراوح أسعار المنتجات الصناعية بين 10 و30 دولاراً، تبعاً للخامات والجودة.
ويشير المعراوي إلى أن الفراء الطبيعي لا يزال مطلوباً في بعض الأسواق، خصوصاً في دول الخليج، حيث تُشترى الأنواع الفاخرة كهدايا، فضلاً عن استمرار الطلب على الفروة التقليدية في مناطق مثل دير الزور، التي ما زالت تحتفظ بارتباط اجتماعي وثقافي بهذا اللباس.
وتبدأ صناعة الفروة الطبيعية بمعالجة الجلود وفرزها وفق أحجامها وطول الصوف، ثم تجميعها وخياطتها وتجهيزها بالأقمشة المناسبة.
وتُعد حماة ومعرة النعمان من المناطق المعروفة بارتباطها بهذه المهنة، بينما تتولى ورش دمشق مراحل التفصيل والخياطة والتشطيب النهائي.
وقد يستغرق إنتاج القطعة عدة أشهر عندما يتطلب الأمر جمع الجلود وتجهيزها وخياطتها، في حين يمكن إنجازها خلال يوم أو يومين إذا وصلت إلى الورشة جاهزة ومخيطة.
كما أسهم ارتفاع تكاليف الكهرباء والمحروقات في زيادة نفقات التصنيع، ما دفع بعض أصحاب الورش إلى الاعتماد على آلات أكثر كفاءة لتقليل المصروفات.
ويلفت المعراوي إلى أن الفراء السوري ما زال يصل إلى أسواق الخليج ومصر وليبيا والأردن، مؤكداً أن جودة التصنيع والتمسك بالتفاصيل التقليدية من أبرز العوامل التي تحافظ على تميز المنتج السوري وقدرته على المنافسة.
85 تصميماً لتوسيع قاعدة الزبائن
ومع تغير أذواق المستهلكين وتراجع القدرة الشرائية، اتجهت بعض المنشآت العاملة في صناعة الفراء إلى تطوير منتجاتها وتنويع التصاميم، سعياً إلى الوصول إلى شرائح أوسع من السوق.
ويقول محمد منذر الجاجة، صاحب شركة «رسلانية» لإنتاج الفراء، إن هذه المهنة متوارثة في عائلته منذ أجيال، وإن تجارتها كانت تعتمد قديماً على المقايضة قبل أن تتغير أساليب العمل مع انتشار المنتجات الصناعية ودخولها إلى السوق السورية.
ويوضح لموقع «تلفزيون سوريا» أن ارتفاع أسعار جلود الأغنام وزيادة الطلب على الإنتاج بكميات كبيرة ساهما في توسع صناعة الفراء الصناعي، الذي تتراوح أسعار قطعه بالجملة بين 10 و25 دولاراً، مقابل أسعار تتراوح بين 75 و1000 دولار للفراء الطبيعي، وفق النوع والجودة والتصميم.
ويضيف أن مشغله يوفر فرص عمل لنحو 20 عاملاً، ويقدم قرابة 85 تصميماً للرجال والنساء والأطفال، مع مواصلة تطوير الموديلات وتحسين جودة المنتجات بما يتناسب مع متطلبات السوق.
ومن بين الإضافات التي عمل على إدخالها إلى تصميم الفروة السحّاب، الذي يسهّل فك القطعة وغسلها، قبل أن ينتشر هذا الأسلوب في منتجات أخرى ضمن السوق.
ورغم هذه المحاولات، لا تزال الصناعة تواجه صعوبات تتعلق بارتفاع تكاليف الإنتاج ونقص العمالة الماهرة، إلى جانب تراجع اهتمام الأجيال الجديدة بتعلم المهن اليدوية التقليدية.
انخفاض عدد العاملين في صناعة الفراء بنحو 80 بالمئة
بعد قرابة خمسة عقود من العمل في صناعة الفراء والجلود، يلاحظ عبد الحميد تناري، المنحدر من معرة النعمان والعامل في دمشق منذ نحو 30 عاماً، تراجعاً واضحاً في أعداد الحرفيين، بالتزامن مع انتشار الآلات الحديثة والمنتجات الصناعية.
ويقول تناري لـ«تلفزيون سوريا» إن عدد العاملين في هذه المهنة انخفض بنحو 80%، نتيجة تراجع الإقبال على العمل اليدوي وضعف الأجور، ما دفع كثيراً من الحرفيين إلى مغادرة المجال والبحث عن مصادر دخل أخرى.
ويوضح أن تجهيز الجلود يمر بمراحل تشمل التمليح والغسل والمعالجة في مناطق الإنتاج، قبل نقلها إلى ورش دمشق لاستكمال أعمال التفصيل والخياطة.
ويشير إلى أنه فضّل توجيه أبنائه نحو الدراسة بدلاً من توريثهم هذه المهنة، بسبب الصعوبات التي يواجهها العاملون فيها، وهو ما يعكس مشكلة أساسية تهدد استمرار صناعة الفراء، تتمثل في انقطاع انتقال الخبرات من جيل إلى آخر.
تطوير الصناعة ضرورة للحفاظ على هويتها التراثية
من جانبه، يرى رئيس نقابة مصممي الأزياء في سورية، أحمد الطحان، أن مستقبل صناعة الفراء يرتبط بقدرتها على مواكبة تغيرات السوق وتطوير التصاميم بما يتناسب مع احتياجات المستهلكين ومستويات دخلهم، مع الحفاظ على الطابع التراثي الذي يميز الفروة السورية.
ويؤكد لموقع «تلفزيون سوريا» أن تنويع المنتجات وتحسين جودتها يمكن أن يعززا حضورها في الأسواق، خصوصاً في ظل المنافسة المتزايدة من البدائل الصناعية الأقل تكلفة.
ويضيف أن حماية هذه الحرفة لا تتطلب تحديث أساليب الإنتاج فحسب، بل تستدعي أيضاً الاهتمام بنقل الخبرات المتوارثة إلى الأجيال الجديدة، وتوفير ظروف عمل مناسبة تشجع الحرفيين على الاستمرار.
ومع اقتراب فصل الشتاء، تقف صناعة الفراء في سوريا أمام مفترق طرق بين متطلبات السوق الحديثة وضرورة الحفاظ على إرث مهني يمتد لعقود طويلة. فبينما تفرض الأسعار المرتفعة والبدائل الصناعية واقعاً جديداً على المستهلكين، لا تزال الفروة الطبيعية تحتفظ بقيمتها التراثية ومكانتها لدى شريحة من الزبائن، ما يجعل تطوير هذه الصناعة ونقل خبراتها إلى الأجيال القادمة ضرورة للحفاظ عليها من التراجع والاندثار.
تلفزيون سوريا



