الاخبار

سورية – الأردن : لا ثقة؟

في ما بدا محاولة لإظهار «ردّ فعل قوي» على المجزرة التي شهدتها «كنيسة جورجيوس» للروم الأرثوذكس في قرية حمود في محافظة الكرك جنوبي الأردن الجمعة الماضي، وراح ضحيّتها تسعة أشخاص، شنّت مقاتلات أردنية سلسلة غارات على الجنوب السوري، طاولت مواقع عدّة في محافظتَي درعا والسويداء. وتسبّبت الغارات، التي ترافقت مع استعراض جوي نفّذه سلاح الجو الأردني عبر تحليق سرب من ثماني طائرات حربية في أجواء جنوب سوريا، بمقتل ثمانية مدنيين، بينهم ثلاثة أطفال وامرأة، فضلاً عن إصابة أربعة آخرين، بينهم طفل. وبحسب وزارة الطوارئ السورية، استهدفت الغارة الأولى خيمة في قرية الطف في منطقة اللجاة شمال شرقي درعا، حيث قُتل خمسة أفراد من عائلة واحدة، بينهم ثلاثة أطفال وامرأة، وأصيب ثلاثة آخرون؛ في حين أصابت الثانية مزرعة في منطقة الشياح التابعة لناحية نصيب قرب الحدود الأردنية، ما أدّى إلى مقتل رياض الكراد (80 عاماً).
وأمّا الثالثة فطاولت منزلاً في منطقة عين البصل شرقي بلدة المزيريب في ريف درعا الغربي، فيما كانت الرابعة من نصيب منزل في بلدة شهيب شمالي السويداء، سُجّل فيه مقتل مطلق أبو الخيل (60 عاماً) من جرّائها.
وفي ظلّ حالة الاستقطاب الحادّ التي يعيشها المجتمع السوري، أثارت الضربات موجة من ردود الفعل المتباينة. ففي بداية الغارات، روّجت حسابات سورية لكون الجيش الأردني يستهدف مواقع في السويداء الخاضعة لسيطرة الفصائل الدرزية المحلية، وسط «تهليل» واضح، قبل أن يتبيّن أن المواقع المُستهدَفة، في السويداء ودرعا على السواء، تقع ضمن مناطق نفوذ السلطات الانتقالية، الأمر الذي قلَب المزاج. في المقابل، أثار تسلسل الرواية الأردنية، هو الآخر، تساؤلات عديدة؛ إذ قال مدير الأمن العام الأردني، اللواء عبيد الله المعايطة، عقب اعتقال منفّذي الهجوم على الكنيسة، إن هؤلاء «لا يمثّلون إلّا أنفسهم»، مشيراً إلى أن التحقيقات لم تُظهِر، حتى ذلك الحين، صلات لهم بخلايا أخرى.
غير أن القوات المسلّحة عادت لتعلن، بعد ساعات، أن منفّذي الهجوم مرتبطون بـ«تنظيمات إرهابية» تنشط في جنوب سورية، قبل أن يخرج وزير الاتصال الحكومي، الناطق باسم الحكومة، محمد المومني، ليقول إن الغارات التي نفّذتها بلاده قتلت أكثر من عشرين عنصراً من «داعش»، واستهدفت «تهديدات مؤكّدة»، وأحبطت عمليات كان يجري التخطيط لتنفيذها ضدّ الأردن، من دون أن تنشر عمّان أي أدلّة تربط الموقوفين الثلاثة بالمواقع التي تعرّضت للقصف.
اللافت، أيضاً، التباين الواضح بين الموقفَيْن الرسميَّيْن في عمّان ودمشق. ففي وقت أعلنت فيه الأولى أنها نفّذت العملية بالتنسيق مع السلطات السورية، نفت الأخيرة ذلك، مؤكدةً أنها لم تتلقَّ أيّ إخطار مُسبق، وأنها أبلغت الجانب الأردني تحفّظها على الضربات.
وفي أول ردّ فعل سوري على الهجوم، أعلنت الحكومة الانتقالية إغلاق «معبر نصيب» الحدودي مع الأردن، وسط روايات محلّية عن تعرّض عدد من السائقين الأردنيين لاعتداءات من قِبل مواطنين غاضبين. كما أصدر مجلس الشعب بياناً دان فيه «الجريمة التي راح ضحيتها مدنيون بينهم أطفال ونساء في ريف محافظة درعا»، داعياً إلى فتح تحقيق رسمي مشترك للوقوف على أسباب الهجوم.
وليست هذه الغارات الأولى من نوعها، إذ بدأت عمّان تدخّلها الجوي في سورية ضمن عمليات «التحالف الدولي ضدّ تنظيم داعش». ومن ثمّ اتخذ الأردن، ابتداءً من عام 2023، مساراً منفرداً حمل عنوان مكافحة تهريب المخدّرات والأسلحة، واستهداف الشبكات الناشطة في الجنوب السوري.
غير أن استمرار هذه السياسة بعد سقوط النظام السابق، والانتقاد الذي وجّهته دمشق إلى عمّان على خلفية الغارات الأخيرة، يطرحان تساؤلات حول حجم الثقة المتبادلة بين الطرفَين، خصوصاً أن الأردن كان من أوائل الدول التي بنت معها السلطات الانتقالية، برئاسة أحمد الشرع، علاقات وثيقة، كما أصبح شريكاً في إدارة ملفّ السويداء، وذلك ضمن «خريطة الطريق» الثلاثية التي أعلنتها دمشق وعمّان وواشنطن. وإذ تثير الضربات الأخيرة أيضاً علامات استفهام حول حجم المخاطر التي يرى الأردن أن الجنوب السوري يشكّلها عليه، فهي تختبر «هامش الحركة» الذي تملكه عمّان في الأجواء السورية، في ظلّ غياب دفاعات جوية قادرة على فرض «سيادة جوية» على أجواء البلاد.
في المُجمل، تتكوّن صورة شديدة الضبابية حول طبيعة العلاقات التي بُنيت بين الطرفَين ومستقبلها. وممّا يفاقم تلك الضبابية، حالة الاحتقان الشعبي التي ظهرت بوضوح على ضفّتَي الحدود، سواء في الأردن الذي عاد إلى اعتبار الجنوب السوري مصدراً للتهديدات الأمنية، أو سوريا التي باتت تجد نفسها «مُستباحة» من جهتَين: الأولى إسرائيل، التي تواصل رسْم خريطة سيطرة مباشرة وغير مباشرة؛ والثانية الأردن، الذي يبرّر هجماته الجوية المتواترة باعتبارات أمنية، من دون أيّ حدود واضحة للسيادة السورية المُفترضة.
الأخبار

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى