«تركة» لونا الشبل لدمشق الجديدة: ماكينة توجيه الرأي العام!

خلال السنوات الأخيرة من عهد النظام السوري السابق، ولا سيما بعد إقرار قانون قيصر وتصاعد الأزمة الاقتصادية والمعيشية، برز أسلوب جديد في التعامل مع الرأي العام السوري، يقوم على استخدام صفحات التواصل الاجتماعي واسعة الانتشار لتوجيه النقاش العام وامتصاص حالة الغضب الشعبي.
ارتبط هذا الأسلوب في بداياته بإدارة الإعلام في القصر الرئاسي، خلال فترة تولّي المستشارة الإعلامية لونا الشبل، وبعد وفاتها كامل صقر، أدواراً في هذا المجال. وكانت الآلية تقوم على ضخ أخبار ومنشورات متزامنة عبر صفحات شعبية ذات قاعدة جماهيرية واسعة داخل سوريا، ولا سيما الصفحات التي تتمتع بقدرة كبيرة على الوصول إلى الجمهور.
وتعتمد هذه الآلية على تزويد عدد من الصفحات والناشطين بمضمون موحّد، يجري نشره بصياغة متطابقة أو شبه متطابقة، بهدف التأثير في اتجاهات الرأي العام وتحويل اهتمام الجمهور من قضية إلى أخرى، ولا سيما خلال الأزمات الاقتصادية والمعيشية أو الأزمات المرتبطة بالتجنيد الإلزامي وطول سنوات الخدمة العسكرية.
ومن أبرز الأمثلة على ذلك، الحملات التي هدفت إلى تبرير الانقطاعات المتكررة في التيار الكهربائي، وارتفاع أسعار البنزين والمحروقات، فضلاً عن حملات استهدفت فنانين وشخصيات عامة سورية أدلوا بتصريحات انتقدوا فيها الحكومة أو عبّروا عن مواقف مناهضة لها.
بحسب مصدر إعلامي مطلع لـ«الأخبار» فإن هذا الأسلوب لم ينتهِ مع سقوط النظام السابق، بل عاد إلى الظهور، في ظل السلطة الجديدة، ولكن في سياقات مختلفة.
يشير المصدر إلى أنه مع كل أزمة أمنية أو انفلات أمني تشهده مناطق سورية، يتصاعد الغضب على منصات التواصل الاجتماعي، قبل أن تبدأ عملية منظمة لإعادة توجيه النقاش العام عبر مجموعات مغلقة تضم مشرفين على صفحات سورية واسعة الانتشار، وبعضهم ممن غيّروا موقفهم السياسي بعد انتقال السلطة، تتولى تداول منشورات موحّدة وتوجيه الصفحات إلى نشرها، بما يخدم قضية أو رواية محددة.
ويستشهد المصدر بما جرى عقب خروج القوات الروسية من سوريا، وتحديداً من قاعدة حميميم، بالتزامن مع ارتفاع كبير في الأسعار ونقص الوقود والبنزين في عدد من المناطق السورية. ووفق روايته، جرى آنذاك تعميم منشور موحّد على عدد من الناشطين والصفحات بهدف تحويل اهتمام الرأي العام بعيداً عن الأزمة المعيشية القائمة.
وبحسب ما نُشر بالفعل عبر مواقع التواصل تبين أنّه خلال هذه الفترة كان هناك منشور موحد في غالبية الصفحات السورية ذات الوصول المرتفع، وجاء في المنشور: «خرجت القوات الروسية من سورية (وقبلها الأميركية والفرنسية والبريطانية والإيرانية والشيعية اللبنانية والأفغانية..) ولم يعد ممكناً أن تحكم سورية أقلية، أو تحالف أقليات بدعم خارجي. سورية عادت كما كانت يوم حررها خالد بن الوليد من الاحتلال الروماني».
كما يشير إلى مثال آخر يتعلق بالانتقادات التي وُجّهت إلى الرئيس أحمد الشرع على خلفية اجتماع وزير الخارجية أسعد الشيباني مع مسؤولين إسرائيليين، حيث يرى أن خطاباً إعلامياً مضاداً جرى دفعه إلى الواجهة، ركّز على تحميل نظام الأسد مسؤولية بيع الجولان، والتأكيد على أن القيادة الجديدة لن تتخلى عن الجولان السوري، في محاولة، بحسب وصفه، لإعادة توجيه النقاش العام بعيداً عن الانتقادات المباشرة للسلطة.
وفي أحدث الأمثلة التي يذكرها المصدر، هو الربط بين تكرار الحوادث الأمنية والانفجارات والهجمات التي طالت مطارات عسكرية، إضافة إلى التوغلات الإسرائيلية، وبين محاولة السلطة في دمشق توجيه أصابع الاتهام إلى ما تصفه بـ«فلول النظام السابق». ويقول إن رواية إعلامية جرى تداولها على نطاق واسع اتهمت هذه الجهات باستهداف خطوط الغاز والنفط وعرقلة مشاريع السلطة الجديدة المتعلقة بالطاقة والاقتصاد.
وبحسب المصدر، فقد تلقى عدد من الناشطين والمؤثرين ومديري الصفحات توجيهات لنشر مضمون موحّد يدعو الرئيس أحمد الشرع إلى «الضرب بيد من حديد» على من وصفوا بالخونة، مع استحضار خطاب يتحدث عن التضحيات التي قدمتها الطائفة السنية خلال سنوات الحرب، بما في ذلك تكرار أرقام عن سقوط نحو مليون شهيد.
وجاء في المنشور: «سيدي الرئيس، قدمنا أكثر من مليون شهيد، و5 ملايين منزل مدمر، وآلام و جراح و عذابات 14 عاماً، نرجوا منكم يا فخامة الرئيس الضرب بيد من حديد على كل من تسوّل له نفسه العبث بمقدرات البلد».
ويرى المصدر أن ما يجري يمثل، من وجهة نظره، استنساخاً لآليات استخدمها النظام السابق في إدارة الرأي العام، من خلال توجيه الصفحات المؤثرة إلى نشر رسائل متشابهة بهدف امتصاص الغضب الشعبي وتحويل مسار النقاش العام، ولا سيما بين شرائح من الجمهور السوري الذي يعتمد بصورة كبيرة على منصات التواصل الاجتماعي للحصول على الأخبار والمعلومات.
ويؤكد أن القضايا التي يجري التركيز عليها تتغير بحسب الحدث والظرف السياسي والأمني؛ فتارة يكون الحديث عن السويداء، وتارة عن قضايا أمنية أو اقتصادية أخرى، لكن الآلية، تبقى واحدة: اختيار قضية أو رواية محددة، ثم الدفع بها بشكل متزامن عبر مجموعة من الصفحات والناشطين، بما يؤدي إلى نقل اهتمام الشارع من قضية إلى أخرى.
وبناءً على ذلك، يخلص المصدر إلى أن أدوات التأثير في الرأي العام لم تتغير جذرياً مع تغير السلطة، وإنما تغيّرت الجهات والقضايا التي يجري توظيفها، بينما بقيت، بحسب وصفه، آلية المنشورات الموحّدة وتوجيه الصفحات الشعبية إحدى أبرز وسائل التعامل مع الغضب الشعبي وإدارة النقاش العام في سوريا.
الأخبار



