الشركة السورية القابضة للزراعة.. فرصة لجذب الاستثمارات ودعم الفلاحين أم بوابة لاحتكارات جديدة؟

تتجه وزارة الزراعة السورية إلى إعادة هيكلة واسعة للقطاع الزراعي، تتضمن تأسيس «الشركة السورية القابضة للزراعة والأمن الغذائي»، في خطوة تفتح الباب أمام آمال بجذب استثمارات جديدة وتحسين الإنتاج والتسويق، لكنها تثير في الوقت نفسه تساؤلات حول مخاطر البيروقراطية واحتمال نشوء احتكارات جديدة.
وبينما تراهن الوزارة على رفع كفاءة الإدارة واستثمار الموارد الزراعية بصورة أفضل، يرى خبراء أن نجاح المشروع يتوقف على مدى قدرته على تحسين ظروف الفلاحين، وتعزيز المنافسة، وتحقيق عوائد اقتصادية ملموسة.
فصل الإدارة عن الإنتاج
تأتي هذه الخطوة ضمن توجه وزارة الزراعة لإجراء تغييرات جوهرية في بنيتها الإدارية والإنتاجية، بهدف معالجة مشكلات واختلالات تراكمت خلال عقود.
وأوضح وزير الزراعة، باسل السويدان، أن المشروع يستكمل مساعي الوزارة لبناء منظومة مؤسسية أكثر تكاملاً، تقوم على الفصل بين المهام الإدارية والتنظيمية والرقابية من جهة، والأنشطة الإنتاجية والاستثمارية من جهة أخرى.
وبموجب هذا التوجه، ستتولى الوزارة ومديرياتها المركزية مسؤولية وضع السياسات والخطط الاستراتيجية والإشراف على الملفات التنظيمية، مثل تنظيم قطاع الأعلاف والإرشاد الزراعي، بينما تتولى الشركة القابضة دور المظلة الاستثمارية التي تتيح مشاركة القطاع الخاص المحلي والأجنبي في إدارة الأصول الزراعية وفق أسس اقتصادية.
وأشار السويدان إلى أن هذه الآلية تستهدف تحسين استثمار الموارد المتاحة، ورفع كفاءة إدارتها، وتحقيق عوائد مالية للدولة.
ومن بين الأهداف المطروحة أيضاً تشجيع إقامة منشآت خدمية بالقرب من مناطق الإنتاج الزراعي، تشمل مرافق التخزين والتبريد والفرز والتوضيب، إلى جانب توسيع نطاق الزراعة التعاقدية، بما يساعد على تقليل خسائر المزارعين وضمان تسويق محاصيلهم، وفتح المجال أمام وصول المنتجات إلى الأسواق الخارجية.
وجاءت تصريحات الوزير خلال ندوة أُقيمت في غرفة تجارة دمشق.
فرصة لتحسين واقع المزارعين
يرى خبير الاقتصاد والإدارة الزراعية، المهندس حسام القصار، في حديث إلى «عنب بلدي»، أن الهيكلة المقترحة قد تشكل فرصة لمعالجة الازدواجية الإدارية وتحسين التنسيق وتبادل المعلومات بين الجهات العاملة في القطاع الزراعي.
ويشير إلى أن الشركة القابضة يمكن أن تسهم في توفير مستلزمات إنتاج ذات جودة أفضل، وتطوير عمليات التسويق، وتقليل المخاطر التي يتحملها المنتجون، الأمر الذي قد ينعكس إيجاباً على دخل المزارعين ومربي الثروة الحيوانية.
ويؤكد القصار أن نجاح المشروع يرتبط بقدرته على ربط مختلف مراحل سلسلة القيمة الزراعية، بدءاً من توفير البذار ومستلزمات الإنتاج، وصولاً إلى التصنيع والتسويق.
من جهته، يرى خبير الاقتصاد الزراعي عبد الرزاق حبزة، في حديث إلى «عنب بلدي»، أن تأسيس الشركة القابضة قد يساعد على الحد من نمط المضاربة التقليدي، الذي دفع كثيراً من الفلاحين إلى الاعتماد على أصحاب رؤوس الأموال وفق شروط لا تصب دائماً في مصلحتهم.
ويعتبر حبزة أن وجود شركة متخصصة قد يوفر آلية أكثر فاعلية لدعم المزارعين، خصوصاً في ظل محدودية الإمكانات الحكومية الحالية، سواء في تمويل الإنتاج أو تأمين مستلزماته أو تسويق المحاصيل.
نجاح المشروع يحتاج إلى تعاون حكومي
ويشدد حبزة على أن تنفيذ المشروع لا يمكن أن يعتمد على وزارة الزراعة وحدها، بل يحتاج إلى تنسيق مؤسسي مع وزارات الاقتصاد والصناعة والمالية، إضافة إلى الجهات المسؤولة عن التصدير.
كما يلفت إلى أهمية تقديم تسهيلات ضريبية وجمركية للمستثمرين، وتأمين بذار محسّنة، وتفعيل دور المرشدين الزراعيين في الميدان، بما يساعد على زيادة الإنتاج وتحسين جودة المحاصيل.
البيروقراطية والاحتكار أبرز التحديات
في المقابل، يحذر القصار من مجموعة تحديات قد تعرقل عمل الشركة، أبرزها مقاومة التغيير داخل بعض المستويات الإدارية الوسطى، واحتمال تحول الكيان الجديد إلى مؤسسة بيروقراطية إضافية بدلاً من أن يكون أداة لتعزيز الاستثمار والمنافسة.
ويربط نجاح التجربة بمدى استقلالية الشركة إدارياً عن الروتين الحكومي، وتطبيق قواعد الحوكمة والشفافية والتحول الرقمي، إلى جانب منح مديريات المحافظات صلاحيات تنفيذية أوسع ضمن إطار اللامركزية.
ومن شأن توسيع الصلاحيات، بحسب القصار، تسريع اتخاذ القرارات وتحسين تنفيذ الخطط على أرض الواقع.
وبذلك، يبقى الرهان الأساسي على قدرة الشركة القابضة على الانتقال من الإطار التنظيمي والاستثماري إلى نتائج ملموسة، تنعكس على دخل الفلاحين، وتخفض تكاليف الإنتاج والتسويق، وتمنع تحول المشروع إلى مركز جديد للاحتكار أو التعقيد الإداري.
عنب بلدي



