اقتصاد

أسعار ترتفع وأجور تتراجع.. كيف يمكن استعادة القدرة الشرائية في سورية؟

تتفاقم الضغوط المعيشية في سورية مع استمرار ارتفاع الأسعار وتكاليف الحياة، في وقت لا تواكب فيه الدخول هذه الزيادات، ما أدى إلى اتساع الفجوة بين الرواتب والاحتياجات الأساسية وتراجع القدرة الشرائية للأسر.
ولم تعد تداعيات الغلاء تقتصر على زيادة الأعباء اليومية، بل امتدت إلى ارتفاع معدلات الفقر وتراجع الاستهلاك، في حين يجد أصحاب العمل أنفسهم أمام صعوبة في تحسين الأجور بسبب ضعف الإنتاجية وارتفاع تكاليف التشغيل والاعتماد الكبير على المستوردات.
وفي ظل هذه الظروف، تبرز الحاجة إلى معالجة اقتصادية متكاملة تجمع بين ضبط الأسواق، وتحفيز الإنتاج المحلي، وتحسين الأجور تدريجياً، وتوسيع مظلة الحماية الاجتماعية، بما يساعد على تحقيق توازن بين مستويات الدخل وتكاليف المعيشة.
وفي حديث لصحيفة «الوطن»، يرى الدكتور عبد الرحمن محمد، أستاذ التمويل والمصارف في كلية الاقتصاد بجامعة حماة، أن رفع الأجور دفعة واحدة إلى مستوى يتناسب مع تكاليف المعيشة الفعلية أمر غير قابل للتحقيق في الظروف الاقتصادية الراهنة، مؤكداً أن الحل يكمن في اعتماد زيادات تدريجية ترتبط بتحسن الإنتاجية وتستهدف القطاعات القادرة على تحقيق نمو حقيقي.
ويحذر محمد من أن زيادة الرواتب بصورة كبيرة ومن دون تحسن موازٍ في الإنتاج قد تؤدي إلى موجة تضخمية جديدة، فضلاً عن احتمال تراجع فرص التوظيف، في ظل اقتصاد يعاني أصلاً انكماشاً حاداً في نشاطه الإنتاجي.
ويوضح أن حجم الفجوة بين الأجور وتكاليف المعيشة كبير للغاية، مشيراً إلى أن رفع الأجر إلى 80 ألف ليرة سورية جديدة يتطلب زيادة تقارب 650 ضعفاً. وفي اقتصاد يعاني ضعف الطاقة الإنتاجية وعدم اكتمال سلاسل التوريد والاعتماد الواسع على الاستيراد، فإن ضخ زيادات كبيرة في الأجور قد ينعكس سريعاً على أسعار السلع والخدمات، لتتآكل القيمة الحقيقية للزيادة خلال فترة قصيرة.
ربط الحد الأدنى للأجور بخط الفقر والإنتاجية
يقترح محمد اعتماد خط الفقر مرجعاً أولياً لتحديد الحد الأدنى للأجور، مع مراعاة الإمكانات الإنتاجية الحالية للاقتصاد، ووضع آلية لمراجعة الرواتب بصورة دورية، بحيث ترتبط الزيادات اللاحقة بتحسن الإنتاجية وانخفاض معدلات التضخم.
ويستشهد بالتجربة السورية، موضحاً أن ارتفاع الأجر الاسمي من 18 إلى 105 دولارات لم يحقق تحسناً جوهرياً في قدرة المواطنين على تغطية احتياجاتهم الأساسية.
وهذا يعني أن زيادة الراتب من الناحية الرقمية لا تكفي لتحقيق تحسن معيشي حقيقي، ما لم تقترن بارتفاع القوة الشرائية للعملة وتحسن توافر السلع والخدمات.
الإصلاح الضريبي وضبط الأسواق لحماية الأجور
ويؤكد محمد أن أي سياسة لرفع الأجور لن تحقق أهدافها ما لم تترافق مع إجراءات تحد من ارتفاع الأسعار، وتضبط الأرباح المبالغ فيها لدى بعض التجار والوسطاء، ولا سيما الممارسات المرتبطة بالتسعير الاحترازي والمضاربة.
وفي هذا السياق، يدعو إلى اعتماد نظام ضريبي تصاعدي يستهدف السلع الكمالية والأرباح الاستثنائية، بالتوازي مع تقديم دعم موجّه للمواد الأساسية، مثل الخبز والوقود والكهرباء، بما يسهم في تخفيف النفقات اليومية للأسر.
ويرى أن خفض تكاليف المعيشة من خلال دعم الاحتياجات الأساسية يمثل مساراً مكملاً لزيادة الدخل، بدلاً من الاعتماد على رفع الرواتب وحده، لأن أي زيادة في الأجور قد تفقد قيمتها إذا قابلتها موجة جديدة من ارتفاع الأسعار.
توسيع الإيرادات وتحسين كفاءة الإنفاق الحكومي
وفي ما يتعلق بقدرة الدولة على تمويل زيادات الرواتب، يشير محمد إلى أن الإمكانات المالية للحكومة السورية محدودة، وأن رفع أجور العاملين في القطاع العام من دون تأمين موارد إضافية سيزيد الأعباء على الموازنة.
ويطرح في المقابل مجموعة من الخيارات، تشمل الحد من الإنفاق الحكومي غير الفاعل، وإعادة تنظيم منظومة الدعم، وتوسيع القاعدة الضريبية لتشمل بصورة أكثر فاعلية قطاع الخدمات والأنشطة الاقتصادية غير الرسمية.
كما يشدد على أهمية مراعاة أوضاع القطاع الخاص عند إقرار أي زيادة في الأجور، من خلال تقديم حوافز وتخفيض اشتراكات الضمان الاجتماعي، حتى لا تتحول زيادة تكاليف العمالة إلى سبب يدفع الشركات إلى تقليص عدد العاملين أو تسريح جزء منهم.
تنشيط الصناعة والزراعة لزيادة الأجور بصورة مستدامة
ويعتبر محمد أن معالجة التضخم في سورية تبدأ أيضاً من مواجهة أسبابه الإنتاجية، موضحاً أن ارتفاع تكاليف المستوردات نتيجة تراجع قيمة العملة وزيادة أسعار الطاقة، إلى جانب نقص المعروض من المنتجات المحلية، يشكل جزءاً أساسياً من المشكلة.
ويرى أن إعادة تشغيل المنشآت الصناعية وتنشيط القطاع الزراعي، بالتوازي مع تطوير شبكات النقل والخدمات اللوجستية، يمكن أن تسهم في زيادة المعروض من السلع وخفض تكاليف الإنتاج والتوزيع، الأمر الذي ينعكس إيجاباً على الأسعار.
ويؤكد أن توسيع القاعدة الإنتاجية هو الطريق الأكثر استدامة لتحسين الأجور، لأن زيادة الدخل تصبح أكثر قدرة على الاستمرار عندما تستند إلى نمو حقيقي في الإنتاج، وليس إلى رفع الأرقام الاسمية للرواتب.
زيادة الرواتب وحدها لا تكفي لإنهاء أزمة المعيشة
توضح المقترحات المطروحة أن تقليص الفجوة بين الأجور والأسعار في سورية يحتاج إلى خطة اقتصادية تتجاوز القرارات المباشرة برفع الرواتب، وتجمع بين تحسين الإنتاجية، وضبط الأسواق، وإصلاح النظام الضريبي، ورفع كفاءة الإنفاق العام، وتوفير الدعم للفئات الأكثر احتياجاً.
ويظل نجاح هذا التوجه مرتبطاً بقدرة السياسات الحكومية على تحقيق توازن بين تحسين دخول العاملين والإمكانات الفعلية للاقتصاد، بما يضمن زيادة القدرة الشرائية تدريجياً، من دون التسبب بتضخم إضافي أو تحميل أصحاب العمل أعباء قد تنعكس سلباً على فرص التشغيل والاستثمار.
الوطن

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى