مراسيم بالجملة وصندوق أممي لـ«التعافي»: الشرع يوزّع «المفاتيح» الاقتصادية… على المقرّبين

أصدر الرئيس السوري الانتقالي، أحمد الشرع، خلال الأيام الماضية، سلسلة مراسيم أعادت ترتيب الإدارة الاقتصادية في البلاد، بما يشمل استحداث حقيبة وزارية جديدة اقتُطعت صلاحياتها من وزارة قائمة، وتغيير رئيس «الشركة السورية للبترول»، وإعادة تشكيل قيادة «الصندوق السيادي السوري»، والتي تزامنت مع إعلان الحكومة ومجموعة «البنك الدولي» الاتفاق على إنشاء صندوق متعدّد المانحين لتمويل التعافي وإعادة الإعمار. وفي أحدث المراسيم التي نُشرت أمس، استحدَث الشرع وزارة جديدة باسم «وزارة الصناعة والتجارة الداخلية وحماية المستهلك»، وكلّف باسل عبد العزيز عبد الحنان بقيادتها، وذلك بموجب المرسوم الرقم 189 لعام 2026. كما سُحبت لمصلحة الوزارة الجديدة ملفات عدّة من وزارة الاقتصاد والصناعة التي يرأسها نضال الشعار، من دون أيّ توضيح حول مصير الأخيرة أو مجال عملها الفعلي بعد تجريدها من هذه الملفات. والجدير ذكره، هنا، أن وزارة الشعار نفسها وُلدت من عملية دمج أجرتها السلطات الانتقالية إثر سقوط النظام السابق، جمعت فيها وزارات الاقتصاد والتجارة الخارجية، والصناعة، والتجارة الداخلية وحماية المستهلك، في هيكل واحد يضمّ ثلاث إدارات عامة تتولّى ملفات الاقتصاد والصناعة وتنظيم الأسواق وحماية المستهلك.
وأثارت الخطوة الأحدث، وما تنطوي عليه من تفكيك جزئي لوزارة قائمة، تساؤلات عديدة حول دوافعها والغاية منها. كما فتحت الباب أمام أسئلة حول مستقبل وزارة الاقتصاد، التي يبدو أنها ستحتفظ بالملفات الاقتصادية والاستثمارية وبملف التجارة الخارجية، بما يجعل ما جرى أقرب إلى شطر وزارة قائمة أو إعادة هيكلتها. وعلى غرار نهج التعيينات الذي تتّبعه السلطات الانتقالية، والقائم على الاستعانة بأسماء مقرّبة من «هيئة تحرير الشام»، جاء تعيين عبد الحنان على رأس الحقيبة الجديدة، علماً أن الأخير كان يشغل، بين عامَي 2020 و2024، منصب وزير الاقتصاد والموارد في «حكومة الإنقاذ»، قبل أن يصبح وزيراً للاقتصاد والتجارة الخارجية في الحكومة المؤقّتة التي تشكّلت بعد سقوط النظام السابق، ثم معاوناً للشعار في الحكومة التي تلتها. وعليه، يبدو تعيينه بمثابة ترقية من معاون وزير إلى وزير، يُمنح معها قسماً كبيراً من صلاحيات الوزارة التي كان يعمل فيها، من دون أن يتّضح بعد ما إذا كانت الحقيبة الجديدة مقدّمة لإعادة وزارتَي الصناعة والتجارة الداخلية إلى وضعهما السابق، أم صيغة وسطية تُبقيهما تحت سقف واحد.
كذلك، عيّن الشرع، بموجب المرسوم الرقم 190 لعام 2026، ماهر خليل الحسن رئيساً تنفيذياً لـ«الشركة السورية للبترول»، خلفاً ليوسف قبلاوي الذي كان تعرّض لانتقادات واسعة على خلفية أزمات المحروقات المتواصلة، فضلاً عن أزمة انتشار بنزين منخفض الجودة تسبّب بأعطال كبيرة في السيارات. وكانت السلطات برّرت انتشار هذا البنزين بـ«خطأ في أثناء عملية سحب بنزين مخالف من المستودعات اختلط مع البنزين الذي تمّ توزيعه»، متعهّدةً بتعويض المتضرّرين، من دون أن تقدّم أيّ توضيح حول آلية حصر هؤلاء أو طريقة تعويضهم. وشأنه شأن عبد الحنان، كان تولّى الحسن وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك في «حكومة إدلب» بين كانون الأول 2024 وآذار 2025، قبل أن يصبح معاوناً لوزير الاقتصاد والصناعة، ومسؤولاً عن ملفات التجارة الداخلية وحماية المستهلك و«المؤسسة السورية للتجارة» والسجلّات التجارية.
أمّا المرسوم الثالث، فقضى بتعيين عمر سامر الحلبي مستشاراً للشؤون الاقتصادية لدى رئاسة الجمهورية، وعضواً في «المجلس الأعلى للتنمية الاقتصادية»، ورئيساً لمجلس إدارة «الصندوق السيادي السوري»، مع احتفاظه بعمله الأصلي، ومن دون تعديل عضوية مجلس إدارة الصندوق الحالي. ويعني ذلك عملياً أن الحلبي حلّ في رئاسة مجلس إدارة «السيادي السوري» الذي يدير أصولاً جرى الاستيلاء عليها تصل قيمتها إلى نحو 50 مليار دولار -وفق تقارير صحافية-، مكان مازن الصالحاني، الذي سبق أن ظهر بهذه الصفة في نشاطات رسمية للصندوق، علماً أن المرسوم لم ينصّ صراحة على إعفاء الصالحاني، ولم يأتِ على ذكر اسمه أصلاً. وأثار تعيين الحلبي لغطاً واسعاً في الشارع السوري، وسط اعتقاد بأنه جاء ليحلّ محلّ إبراهيم سكرية (أبو مريم الأسترالي)، الذي جدّدت أستراليا إدراجه على قائمة العقوبات المتعلّقة بالإرهاب بسبب ارتباطه بـ«جبهة النصرة»، والذي ظهر في مناسبات عديدة بصفته المدير العام لـ«السيادي السوري». غير أن رئاسة مجلس الإدارة تختلف عن الإدارة التنفيذية، فيما لم يتضمّن المرسوم إعفاء سكرية أو تعيين مدير عام جديد بدلاً منه، ولم يُشر إليه بأيّ شكل. والجدير ذكره هنا أن السلطات لم تعلن رسمياً، من الأساس، تعيين سكرية في المنصب المذكور، وهو ما زاد من الغموض المحيط بالصندوق وإدارته وحجم استثماراته، خصوصاً أنه يعمل خارج نطاق الرقابة الحكومية، ويرتبط مباشرة برئاسة الجمهورية، التي لا تخضع لرقابة أيّ سلطة أخرى، بما فيها «مجلس الشعب» الذي تمّ تعيين أعضائه.
بالتوازي مع ذلك، أعلنت السلطات الانتقالية و«مجموعة البنك الدولي» الاتفاق على إنشاء «الصندوق الائتماني لدعم التعافي وإعادة الإعمار في سوريا» (START)، وهو صندوق متعدّد المانحين يُفترض أن يوفّر التمويل الميسّر وضمانات الاستثمار والدعم الفنّي وبناء القدرات. لكنّ الإعلان جاء خالياً من أيّ قيمة مالية أوّلية، ومن أسماء الدول والجهات المانحة، كما لم يتضمّن الحديث عن بدء تمويل أيّ مشاريع محدّدة. وخلافاً للصناديق التي أُنشئت حول سوريا خلال السنوات الماضية -وبعضها لم يبصر النور، مثل «الصندوق الائتماني للتعافي المبكر» الذي حاولت الأمم المتحدة إنشاءه، فيما نشط بعضها الآخر في المناطق التي كانت خارجة عن سيطرة النظام السابق-، يمنح الصندوق الجديد السلطات الانتقالية دوراً في تحديد الجهات المستحقّة للدعم؛ إذ ينصّ الاتفاق على أن يتولّى «البنك الدولي» إدارة «ستارت» بالتعاون مع المانحين وشركاء التنمية، وفق الأولويات التي تحدّدها السلطات.
وينضمّ «START» إلى صندوق آخر قائم هو «صندوق الائتمان لإعادة إعمار سوريا»، الذي تأسّس عام 2013 بمشاركة الولايات المتحدة وألمانيا والإمارات و«الائتلاف السوري» المعارض، وتولّى «بنك التنمية الألماني» إدارة أموال المانحين فيه. وعمل هذا الصندوق في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام حتى سقوطه، قبل أن يوسّع نشاطه ليشمل مناطق مختلفة بينها دمشق وريفها ودرعا وحلب وطرطوس والرقة ودير الزور، مركّزاً بشكل أساسي على قطاعات الصحة والتعليم والزراعة والمياه وإعادة تأهيل المساكن. ويجيء الاتفاق الأخير بعد إعادة ترتيب موقع سوريا داخل المؤسّسات المالية الدولية، إذ أعلنت وزارة المالية، الأربعاء الماضي، أن البلاد ستعود، اعتباراً من الأول من تشرين الثاني المقبل، إلى المجموعة العربية في «صندوق النقد الدولي»، وذلك بعد أن كانت منذ عام 2012 ضمن المجموعة التي يقودها الاتحاد الروسي، الأمر الذي قد يمنح دمشق قناة أقرب للتنسيق مع الدول العربية المساهمة في تمويل التعافي.
وفي سياق متّصل، كشف وزير المالية، محمد يسر برنية، أن مجلس إدارة «الصندوق السعودي للتنمية» وافق على تقديم قروض ميسّرة بقيمة 406 ملايين دولار لتمويل ستّة مشاريع في قطاعات الكهرباء والمياه والصحة والإسكان والطوارئ والتحوّل الرقمي. وأوضح أن المناقشات الأوّلية مع الصندوق تدور حول تمويل مشاريع تصل قيمتها الإجمالية إلى 1.5 مليار دولار، يجري تنفيذها تباعاً خلال الأشهر المقبلة، مشيراً إلى أن أولى حزم التمويل ستُوقَّع خلال أيام، فيما تبقى حزمة أخرى من المشاريع قيد الدراسة.
الاخبار



