قيود السحب النقدي في سورية.. كيف تعرقل التجارة والإنتاج؟

تتجاوز آثار القيود المفروضة على السحوبات النقدية في سورية حدود التعاملات المصرفية، لتطال حركة التجارة والإنتاج وقدرة المواطنين على الوصول إلى مدخراتهم.
فعدم تمكّن الأفراد والشركات من سحب أموالهم عند الحاجة قد يؤدي إلى تأخر دفع المستحقات، وصعوبة شراء المواد الأولية، وتعطّل جزء من دورة النشاط الاقتصادي.
وقال الباحث الاقتصادي الدكتور مصعب شبيب، في تصريح لصحيفة «الوطن»، إن تقييد السحوبات يرتبط بمجموعة من العوامل النقدية والمصرفية، أبرزها محدودية السيولة المتاحة، وضعف الثقة بالقطاع المصرفي، واتساع التعاملات النقدية خارج القنوات الرسمية، إلى جانب مساعي السلطات النقدية للسيطرة على الكتلة النقدية والحد من الضغوط على سعر الصرف.
وجود الرصيد لا يعني القدرة على استخدامه
وأوضح شبيب أن من الضروري التمييز بين نقص السيولة الفعلية لدى المصرف وبين فرض قيود تنظيمية على السحب.
فقد تمتلك شركة، على سبيل المثال، مليار ليرة في حسابها المصرفي، لكنها تعجز عن سحب المبلغ اللازم لتسديد مستحقات الموردين.
وفي هذه الحالة، لا تكمن المشكلة في غياب الأموال من الحساب، بل في عدم القدرة على استخدامها.
وحذّر من أن استمرار هذه القيود قد يدفع الأفراد والتجار إلى الاحتفاظ بأموالهم خارج المصارف، الأمر الذي يمكن أن يزيد ضعف الثقة بالنظام المصرفي ويقلل الاعتماد عليه في المعاملات اليومية.
تأثيرات تتجاوز القطاع المصرفي
وأشار الباحث إلى أن تقييد السحوبات قد يخفف مؤقتاً من اندفاع بعض المتعاملين نحو شراء الدولار، لكنه في المقابل قد يعرقل التجارة والإنتاج، ويحوّل المشكلة المصرفية إلى عبء على الاقتصاد الحقيقي.
وضرب مثالاً بسلسلة المدفوعات التجارية؛ فعندما يتعذر على التاجر سحب أمواله لتسديد مستحقات المورد، قد يعجز المورد بدوره عن شراء شحنة جديدة، ما يؤدي إلى تأخر وصول البضائع وتراجع المعروض في الأسواق وتراكم الالتزامات المالية.
كما تنعكس القيود على الأسر التي قد لا تتمكن من استخدام مدخراتها لتغطية النفقات اليومية، رغم امتلاكها أرصدة مصرفية.
تحسن سعر الصرف لا يكفي لتقييم السياسة النقدية
وفي ما يتعلق بالتضخم وسعر الصرف، رأى شبيب أن انخفاض الطلب على الدولار نتيجة صعوبة السحب لا يعني بالضرورة نجاح السياسة النقدية، خصوصاً إذا استمر نقص السلع وارتفعت تكاليف الاستيراد والإنتاج.
وأكد أن تقييم نتائج أي سياسة نقدية يتطلب النظر إلى مجموعة من المؤشرات، تشمل حركة الأسعار، ومستويات الإنتاج، وتوافر السلع في الأسواق، إلى جانب سعر الصرف، بدلاً من الاعتماد على مؤشر واحد.
بدائل لإدارة السيولة
واقترح شبيب اعتماد آلية أكثر مرونة لإدارة السيولة المصرفية، من خلال تحديد سقوف سحب معلنة تراعي احتياجات الأفراد والمنشآت، وتسهيل التحويلات وتسديد الأجور والمستحقات، وتوسيع استخدام وسائل الدفع الإلكتروني.
كما دعا إلى دعم الإنتاج والصادرات والعمل على تعزيز الثقة بالمصارف، بما يساعد على إعادة الأموال إلى القنوات الرسمية وتنشيط حركة المدفوعات.
وختم بأن تحقيق الاستقرار النقدي لا يرتبط بتقييد السيولة وحده، بل بإيجاد توازن بين الحد من التضخم والضغوط على سعر الصرف، وضمان قدرة المواطنين على الوصول إلى أموالهم، والتجار على تمويل أعمالهم، والمنتجين على مواصلة نشاطهم.
الوطن



