الاخبار

محاضرة ابن تيمية بدمشق تفتح نقاشاً حول السلم الأهلي وفتاوى التكفير

أثارت ندوة نظمتها مديرية أوقاف دمشق، الثلاثاء، حول العالم الإسلامي ابن تيمية، نقاشاً واسعاً بشأن دلالات تقديم شخصيات تاريخية خلافية ضمن فعاليات رسمية، ولا سيما في ظل التحديات التي تواجه المجتمع السوري على صعيد التعايش والسلم الأهلي.
وأقيمت الندوة في جامع الإيمان، ضمن سلسلة «أعلام عظماء الأمة» التي تنظمها المديرية. وتباينت ردود الفعل بين من اعتبرها خطوة نحو إعادة الاهتمام بتراث ابن تيمية بعد سنوات من الجدل حول مؤلفاته، وبين من حذر من توظيف بعض آرائه وفتاواه بطريقة قد تعمق الانقسامات المذهبية.
محمد حبش: شخصية إشكالية في السياق السوري
وصف الباحث الإسلامي محمد حبش ابن تيمية بأنه شخصية شديدة الإشكالية، معتبراً أن بعض فتاواه تثير مخاوف جدية في السياق السوري، نظراً إلى ما يراه فيها من مواقف حادة تجاه المخالفين في المعتقد.
وقال حبش، في منشور عبر «فيسبوك»، إن ابن تيمية استخدم عبارة «يستتاب وإلا قتل» في عدد كبير من المسائل الخلافية، مشيراً إلى أن تقديمه في المرحلة الحالية يتطلب مراعاة حساسية المجتمع السوري وتنوعه الديني والمذهبي.
وأضاف أن ابن تيمية كان فقيهاً واسع الإنتاج الفكري، لكنه رأى أن بعض مواقفه لا ينبغي أن تتحول إلى خطاب رسمي للدولة. وتساءل عن إمكانية تعزيز السلم الأهلي بالتزامن مع إحياء آراء يعتبرها خطرة على التوافق الوطني.
واقترح حبش أن تركز مثل هذه الندوات على التراث الفقهي الإسلامي بصورة أوسع، بدلاً من الاقتصار على شخصيات ترتبط مواقفها بجدالات حادة.
أحمد الرمح يشكك في نسبة «مجموع الفتاوى»
من جهته، تناول الباحث في شؤون الإسلام السياسي أحمد الرمح مسألة نسبة بعض المؤلفات المتداولة إلى ابن تيمية، مركزاً على كتاب «مجموع الفتاوى»، الذي يضم عشرات المجلدات ويعد من المراجع المعروفة في الأوساط السلفية.
وقال الرمح، في منشور مطول، إن الكتاب جُمع في مرحلة متأخرة على يد عبد الرحمن القاسمي، وشكك في صحة نسبته إلى ابن تيمية بصورته المتداولة، كما انتقد اعتماد بعض التيارات على مقتطفات من المؤلفات دون قراءة سياقاتها كاملة.
وأشار إلى أن ابن تيمية توفي في دمشق عام 728 هـ، بينما جُمعت مواد «مجموع الفتاوى» في فترة لاحقة بقرون، معتبراً أن هذه المسألة تستدعي تحقيقاً علمياً في مصادر الكتاب وتاريخ جمعه ونسبة نصوصه.
كما تحدث الرمح عن تاريخ تداول مؤلفات ابن تيمية والقيود التي تعرضت لها في مراحل تاريخية مختلفة، وربط انتشار بعض أفكاره في العصر الحديث بصعود التيارات السلفية خلال العقود الماضية.
ووصف ابن تيمية بأنه مفكر كبير، لكنه رأى أن بعض التصورات الشائعة عنه اليوم لا تعكس بالضرورة مجمل تراثه، وأبدى استعداده لمناقشة هذه المسائل مع الباحثين والمهتمين.
وتبقى الادعاءات المتعلقة بنسبة المؤلفات والفتاوى وتاريخ جمعها مسائل تحتاج إلى مراجعة المصادر والمخطوطات والدراسات المتخصصة، ولا يمكن حسمها بمجرد التصريحات المتداولة.
ميشيل شماس: سورية بحاجة إلى خطاب يعزز المواطنة
بدوره، اعتبر المحامي ميشيل شماس أن إقامة محاضرة عن ابن تيمية حق مشروع، لكنه انتقد أن تتبنى جهة رسمية الترويج لشخصية ترتبط بعض آرائها بخلافات حادة حول التعامل مع الأقليات الدينية.
وأوضح شماس أن التراث الإسلامي واسع ومتعدد الاتجاهات، ولا يمكن اختزاله في شخصية واحدة، مشيراً إلى وجود أسماء فكرية وفلسفية أخرى، مثل ابن رشد والفارابي وابن سينا، إلى جانب مفكرين معاصرين.
وأضاف أن سورية، في ظل ما شهدته من انقسامات وتوترات، تحتاج إلى خطاب يرسخ المواطنة والمساواة بين المواطنين، محذراً من أن تقديم شخصية خلافية ضمن فعالية رسمية قد يُفهم على أنه تبنٍّ لاتجاه مذهبي محدد.
دعوات إلى الحوار قبل إطلاق الأحكام
في المقابل، دعا الناشط أمين أبو حلاوة إلى الاستماع إلى مضمون الندوة قبل إصدار الأحكام بشأنها، معتبراً أن الحضور يتيح فرصة للتعرف إلى وجهة نظر المحاضر ومناقشة ما يطرحه من أفكار بصورة مباشرة.
ورأى أبو حلاوة أن الحوار الهادئ وطرح الأسئلة يمكن أن يساعدا في توضيح الجوانب المختلف عليها، بينما قد يؤدي الهجوم المسبق إلى تحويل الخلاف الفكري إلى خصومة وإغلاق المجال أمام النقاش.
ولا يزال ابن تيمية من الشخصيات التي تحظى باهتمام واسع في الدراسات الإسلامية، وسط اختلافات بشأن تفسير بعض آرائه وفتاواه ومدى تأثيرها في التيارات الدينية الحديثة.
ويعيد الجدل الذي رافق الندوة طرح سؤال أوسع حول طبيعة الخطاب الديني في سورية، وكيفية تناول الشخصيات التاريخية المختلف عليها بما يتيح البحث والنقاش، ويحافظ في الوقت نفسه على التعددية واحترام المكونات المختلفة وتعزيز السلم الأهلي.
سناك سوري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى