اخبار ساخنة

4 سوائل حكمت الطب قروناً.. نظرية غريبة فسرت أمراض البشر

قبل أن تكشف العلوم الحديثة عن أسباب الأمراض وآليات انتقالها، اعتمدت المجتمعات القديمة على تفسيرات مختلفة لفهم الأوبئة وارتفاع معدلات الوفيات. ومن بين أكثر الأفكار تأثيراً في تاريخ الطب، برزت نظرية الأخلاط، التي ربطت صحة الإنسان بتوازن أربعة مكونات داخل جسمه، وظلت مرجعاً أساسياً للأطباء لقرون طويلة، قبل أن تتراجع مع تطور التشريح واكتشاف الدورة الدموية والكائنات الدقيقة المسببة للأمراض.

ولم تكن هذه النظرية المحاولة الوحيدة لتفسير المرض في العصور القديمة؛ فقد انتشرت أيضاً نظرية الميازما، التي اعتقد أصحابها أن الأوبئة تنتج عن استنشاق الهواء الفاسد أو الغازات المنبعثة من تحلل المواد العضوية. وسادت هذه التصورات في مناطق مختلفة، منها أوروبا والهند والصين، قبل أن تتراجع تدريجياً مع تقدم المعرفة الطبية.

كيف ظهرت نظرية الأخلاط؟

تعود جذور نظرية الأخلاط إلى بلاد الإغريق خلال القرنين السادس والخامس قبل الميلاد، ثم اكتسبت انتشاراً أوسع بفضل كتابات أبقراط، الذي عاش في القرنين الخامس والرابع قبل الميلاد، ويُعرف بلقب «أبي الطب».

وافترضت النظرية أن صحة الإنسان تتوقف على التوازن بين أربعة أخلاط رئيسية في الجسم: الدم، والبلغم، والصفراء، والسوداء. ووفقاً لهذا التصور، لم تكن الأمراض مجرد اضطرابات منفصلة، بل نتيجة اختلال التوازن بين هذه المكونات.

وربط أصحاب النظرية كل خلط بعضو وصفات محددة؛ فالدم ارتبط بالقلب، واعتُبر ساخناً ورطباً، فيما ارتبط البلغم بالدماغ ووُصف بأنه بارد ورطب. وكان بعض المفكرين في تلك الفترة يعتقدون أن الدماغ يتكون من المخاط، بينما لم تكن وظيفته مفهومة على النحو الذي نعرفه اليوم.

أما الصفراء، فارتبطت بالكبد واعتُبرت ساخنة وجافة، في حين ارتبطت السوداء بالطحال ووُصفت بأنها باردة وجافة.

كيف أثرت النظرية في طرق العلاج؟

انطلاقاً من الاعتقاد بأن التوازن بين الأخلاط هو أساس الصحة، سعى الأطباء إلى تعديل ما اعتبروه زيادة أو نقصاً في أحد مكونات الجسم، بهدف علاج المرض واستعادة العافية.

ومن أبرز الممارسات التي ارتبطت بهذا التصور، الفصد، أي سحب الدم من المريض، بعدما اعتقد الأطباء أن بعض الأمراض تنتج عن وجود كمية زائدة منه. وانتشرت هذه الممارسة في فترات تاريخية مختلفة، بما فيها العصور الوسطى.

ولم تقتصر العلاجات المستندة إلى نظرية الأخلاط على الإجراءات الطبية، بل شملت أيضاً تعديلات في الطعام والنوم والنشاط اليومي، في محاولة لتحقيق التوازن الجسدي والنفسي.

جالينوس يعزز انتشار نظرية الأخلاط

خلال القرن الثاني الميلادي، أسهم الطبيب الإغريقي جالينوس، الذي مارس الطب في الإمبراطورية الرومانية، في تطوير نظرية الأخلاط وتوسيع نطاقها، كما ربط بين الأخلاط والصفات الجسدية والمزاجية للإنسان.

ومع مرور الوقت، اكتسبت أفكاره نفوذاً واسعاً في الطب، وامتد تأثيرها إلى الإمبراطورية البيزنطية ومناطق عديدة من أوروبا. كما احتلت نظرياته مكانة بارزة في التعليم الطبي خلال العصور الوسطى وعصر النهضة، وأصبحت جزءاً أساسياً من المعارف التي يتلقاها طلاب الطب في عدد من الجامعات.

وساعد هذا الحضور الواسع على استمرار النظرية لقرون، رغم محدودية الأدلة العلمية التي تستند إليها، إذ ظلت تفسيراتها مرجعاً لفهم الأمراض ووصف العلاجات قبل ظهور الاكتشافات الطبية الحديثة.

اكتشاف الدورة الدموية يمهد لتراجع النظرية

بدأت الأسس التقليدية لنظرية الأخلاط تواجه تحديات متزايدة خلال القرن السابع عشر، مع تقدم الأبحاث التشريحية وظهور تفسيرات أكثر دقة لعمل جسم الإنسان.

وفي عام 1628، نشر الطبيب الإنجليزي وليام هارفي وصفاً علمياً للدورة الدموية، موضحاً حركة الدم داخل الجسم، وهو اكتشاف أسهم في تغيير فهم الأطباء لوظائف القلب والدم، وفتح المجال لإعادة تقييم عدد من الأفكار الطبية القديمة.

وفي الفترة نفسها، ساعد تطور أدوات الرصد، ومنها العدسات المكبرة، على توسيع قدرة العلماء على دراسة التراكيب الدقيقة، ما مهّد لظهور اكتشافات جديدة لم تكن متاحة للأطباء في العصور السابقة.

الخلايا والميكروبات تحسمان التحول في الطب

شهد القرن التاسع عشر تطورات علمية إضافية ساهمت في تغيير فهم الأمراض وأسبابها. فقد تطورت نظرية الخلية بفضل أبحاث العالمين الألمانيين ماتياس جاكوب شلايدن وتيودور شوان، وأكدت أن الكائنات النباتية والحيوانية تتكون من خلايا.

وبالتوازي مع ذلك، حقق علم الأحياء الدقيقة تقدماً مهماً من خلال أبحاث روبرت كوخ ولويس باستور، التي أسهمت في ترسيخ الفهم العلمي لدور الكائنات الدقيقة في التسبب بالأمراض.

ومع تراكم هذه الاكتشافات، تراجعت نظرية الأخلاط وفقدت مكانتها بوصفها تفسيراً طبياً معتمداً، لتحل محلها تدريجياً مقاربات تقوم على الملاحظة والتجربة والأدلة العلمية.

وهكذا، انتقلت الممارسات الطبية من تفسير المرض باعتباره اختلالاً في مكونات الجسم المفترضة إلى البحث عن أسبابه الفعلية، في تحول شكّل إحدى المحطات المهمة في تطور الطب الحديث.

العربية نت

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى