الاخبار

هل يحجبون الشمس؟… الولايات المتحدة وأوروبا تستكشفان خيارا مناخيا مثيرا للجدل

يتزايد اهتمام صناع السياسات في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بتقنيات الهندسة الجيولوجية الشمسية، التي تهدف إلى خفض حرارة الأرض من خلال عكس جزء من أشعة الشمس وإعادته إلى الفضاء، في محاولة للحد من ارتفاع درجات الحرارة العالمية.
وبعد سنوات من الجدل والتحفظات التي أحاطت بهذه الفكرة داخل الأوساط المعنية بالمناخ، بدأت تحظى باهتمام متزايد من بعض المنظمات البيئية والمستثمرين والمسؤولين الحكوميين، بالتزامن مع تفاقم آثار الاحتباس الحراري والتحديات التي تواجه الجهود الدولية لخفض الانبعاثات.
ورغم هذا الاهتمام، لا تزال هذه التقنيات بعيدة عن التطبيق واسع النطاق، وسط مخاوف من تأثيراتها المحتملة في أنماط الطقس والأمطار وطبقة الأوزون، فضلاً عن التساؤلات المتعلقة بالجهة التي ينبغي أن تمتلك سلطة اتخاذ قرار قد يغيّر مناخ الكوكب.
ماذا تعني الهندسة الجيولوجية الشمسية؟
لا يعني مصطلح «حجب الشمس» وضع حاجز مادي بين الأرض والشمس، بل يشير إلى مجموعة من التقنيات التي تستهدف عكس نسبة محدودة من الإشعاع الشمسي إلى الفضاء، بما يقلل كمية الطاقة التي تصل إلى سطح الأرض وتسهم في ارتفاع حرارتها.
ومن بين الأساليب التي نوقشت على نطاق واسع نشر جسيمات عاكسة في الطبقات العليا من الغلاف الجوي. ومع ذلك، فإن النقاش الدائر لا يقتصر على تقنية بعينها، بل يشمل جدوى الهندسة الجيولوجية الشمسية ومخاطرها وآليات تنظيمها سياسياً.
وطالما تعاملت قطاعات واسعة من الحركة البيئية مع هذه الفكرة بحذر شديد، بسبب احتمال أن يؤدي التدخل المتعمد في كمية ضوء الشمس الواصلة إلى الأرض إلى نتائج مناخية يصعب التنبؤ بها أو السيطرة عليها.
ويخشى منتقدو هذه التقنيات من انعكاساتها المحتملة على طبقة الأوزون، وتوزيع الأمطار، وأنماط الطقس، فضلاً عن إمكانية نشوء خلافات دولية بشأن توقيت استخدامها ومناطق تأثيرها.
كما أن هذه الأساليب لا تعالج السبب الأساسي للاحتباس الحراري، المتمثل في تراكم غازات الدفيئة الناتجة عن الأنشطة البشرية، وخصوصاً حرق الوقود الأحفوري.
موضوع كان مثيراً للجدل ينتقل إلى دوائر صنع القرار
تشهد النقاشات المتعلقة بالهندسة الجيولوجية الشمسية تحولاً تدريجياً، إذ لم تعد مقتصرة على الباحثين المتخصصين في علوم المناخ، بل بدأت تجذب اهتمام قطاعات أخرى تشمل الزراعة والتجارة والسياسة الخارجية والدفاع.
وقالت سينثيا شارف، التي سبق أن تولت قيادة الاتصالات الاستراتيجية المتعلقة بالمناخ للأمين العام للأمم المتحدة، وتشغل حالياً منصب زميلة بارزة في مركز الأجيال القادمة في بروكسل، إن النقاش حول هذه التقنيات يشهد تغيراً ملحوظاً، رغم أن جانباً كبيراً منه لا يزال يجري خلف الأبواب المغلقة.
وجاءت تصريحات شارف خلال ورشة عمل استضافتها واشنطن حول الهندسة الجيولوجية الشمسية، نظمتها مؤسسة «موارد للمستقبل» بالتعاون مع جامعة هارفارد.
ويعكس اتساع دائرة المهتمين بالموضوع إدراكاً متزايداً بأن القرارات المتعلقة بالتدخل المتعمد في مناخ الأرض قد تتجاوز آثارها حدود القطاع البيئي، لتطال الأمن الغذائي والتجارة والعلاقات الدولية.
ويأتي هذا التحول في وقت تتواصل فيه درجات الحرارة العالمية في الارتفاع، بينما تواجه الجهود الدولية الرامية إلى الحد من الاحترار تحديات كبيرة. وفي موازاة ذلك، بدأ مستثمرون من القطاع الخاص في إبداء اهتمام بهذه التقنيات.
ويشير تقرير نشره موقع «بوليتيكو» إلى شركة «ستاردست سوليوشنز»، التي جذبت استثمارات من وادي السيليكون لتطوير تقنيات تستهدف الحد من الاحترار عبر تقليل كمية ضوء الشمس الواصلة إلى الأرض.
اهتمام متزايد في الولايات المتحدة.. لكن الخلاف مستمر
لا يقتصر التحول على الأوساط البحثية والاستثمارية، بل يمتد إلى مستويات مختلفة من المؤسسات الحكومية الأمريكية.
وقال كريغ سيغال، نائب رئيس مجلس موارد الهواء في كاليفورنيا سابقاً، والمدير الحالي في منظمة «كلايمت هب» البيئية، إن مسؤولين في الولايات وممثلين منتخبين باتوا يبحثون عن خيارات إضافية للتعامل مع المخاطر المناخية المتزايدة.
وأشار إلى وجود اهتمام لدى بعض أعضاء الكونغرس الأمريكي بتطوير القدرات الحكومية اللازمة لفهم الهندسة الجيولوجية الشمسية وتقييم آثارها المحتملة، لكنه شدد على أن المواقف السياسية تجاهها لا تزال متفاوتة.
وبحسب سيغال، يأتي جانب كبير من الاهتمام داخل الكونغرس من سياسيين ينتمون إلى التيار اليساري، في حين تبنّى وزير الصحة والخدمات الإنسانية الأمريكي، روبرت إف. كينيدي جونيور، موقفاً مؤيداً لحظر أبحاث الهندسة الجيولوجية الشمسية على مستوى الولايات.
وفي ألمانيا أيضاً، عارض أعضاء من حزب البديل من أجل ألمانيا «AfD» جهوداً تهدف إلى عكس أشعة الشمس.
وتوضح هذه المواقف أن القضية لا تتبع بصورة واضحة خطوط الانقسام التقليدية بين اليسار واليمين، إذ تتداخل فيها المخاوف البيئية والعلمية والسياسية، إلى جانب التساؤلات المتعلقة بحدود تدخل الإنسان في النظام المناخي.
لماذا يدعم بعض المدافعين عن البيئة إجراء المزيد من الأبحاث؟
لا يعني الاهتمام المتزايد بالهندسة الجيولوجية الشمسية أن جميع المؤيدين لدراستها يدعون إلى تطبيقها فعلياً. فبعض المنظمات البيئية والشخصيات المعنية بسياسات المناخ ترى أن إجراء الأبحاث قد يكون ضرورياً لفهم الخيارات المتاحة، حتى مع استمرار التحفظات بشأن استخدامها.
وتستند هذه الرؤية إلى مبدأ الاستعداد للسيناريوهات المستقبلية؛ إذ قد تدفع أزمة مناخية شديدة الحكومات إلى البحث عن وسائل يمكن أن تخفض درجات الحرارة بسرعة أكبر من بعض الإجراءات التقليدية.
ويرى أصحاب هذا التوجه أن غياب المعرفة العلمية الكافية قد يترك صناع القرار أمام خيارات محفوفة بالمخاطر إذا تصاعدت الضغوط السياسية لاستخدام هذه التقنيات.
في المقابل، يحذر المعارضون من أن توسيع نطاق الأبحاث قد يمنح الهندسة الجيولوجية الشمسية قبولاً أكبر بمرور الوقت، ويجعل تطبيقها يبدو خياراً طبيعياً أو حتمياً، رغم المخاطر التي قد تنطوي عليها.
ويتمحور الخلاف بين الطرفين حول سؤال أساسي: هل تمثل دراسة هذه التقنيات وسيلة للاستعداد لمخاطر مستقبلية، أم أنها قد تفتح الباب أمام استخدامها قبل فهم عواقبها بصورة كافية؟
ويشير تقرير «بوليتيكو» إلى أن هذا التباين يعد أحد العوامل الرئيسية وراء التحول في النقاش السياسي المحيط بالهندسة الجيولوجية الشمسية.
من يملك حق اتخاذ قرار بتبريد الكوكب؟
حتى لو توصلت الأبحاث مستقبلاً إلى أن بعض تقنيات الهندسة الجيولوجية الشمسية قادرة على خفض حرارة الأرض، فإن التحدي لن يكون علمياً فقط، بل سيتعلق أيضاً بمن يملك سلطة اتخاذ القرار وكيفية تنظيم استخدام هذه التقنيات.
فأي تدخل واسع النطاق في الإشعاع الشمسي قد يؤثر في مناطق تتجاوز حدود الدولة التي تنفذه، مع احتمال انعكاسه على معدلات هطول الأمطار والأنشطة الزراعية والظروف المناخية في بلدان أخرى.
وهذا يثير أسئلة معقدة بشأن ضرورة الحصول على موافقة دولية، وتحديد المسؤولية عن الأضرار المحتملة، وآليات التعويض إذا أدت هذه التدخلات إلى نتائج غير مقصودة.
وحذرت شارف من أن وقوع أزمة مناخية حادة قد يدفع الحكومات إلى اتخاذ إجراءات سريعة قبل التوصل إلى قواعد دولية واضحة، مشددة على أهمية وضع إطار حوكمة قوي قبل اقتراب هذه التقنيات من مرحلة الاستخدام الفعلي.
من جهتها، أكدت بورتيا أدادي ويليامز، الباحثة العلمية في مجلس البحوث العلمية والصناعية الحكومي في غانا، أن تنظيم هذه التقنيات لا يقل أهمية عن تطوير المعرفة العلمية المتعلقة بها.
وتنبع أهمية الحوكمة من احتمال أن تتحرك بعض الحكومات نحو تطبيق هذه الأساليب بوتيرة أسرع من قدرة المؤسسات الدولية على الاتفاق على قواعد تنظمها وتحدد المسؤوليات المترتبة عليها.
هل بدأت الحكومات فعلياً في حجب أشعة الشمس؟
لا يشير تقرير «بوليتيكو» إلى بدء برنامج واسع النطاق لحجب أشعة الشمس في الولايات المتحدة أو أوروبا، بل يسلط الضوء على تغير في مستوى الاهتمام السياسي والعلمي والاستثماري بتقنيات كانت مهمشة إلى حد كبير في نقاشات المناخ.
ولا تزال الهندسة الجيولوجية الشمسية مجالاً تجريبياً ومثيراً للجدل، ولم تتحول إلى سياسة مناخية معتمدة على نطاق واسع.
كما لا يمكن اعتبارها بديلاً عن خفض انبعاثات غازات الدفيئة، لأنها لا تزيل ثاني أكسيد الكربون المتراكم في الغلاف الجوي، المسؤول عن استمرار الاحترار على المدى الطويل.
ومع ذلك، فإن انتقال النقاش من الجامعات ومراكز الأبحاث إلى المؤسسات الحكومية والمنظمات البيئية والمستثمرين يشير إلى تغير في طريقة تعامل بعض الجهات مع الخيارات المحتملة لمواجهة أزمة المناخ.
وبذلك، لم يعد السؤال مقتصراً على إمكانية استخدام هذه التقنيات لتبريد الأرض، بل أصبح يشمل أيضاً مدى الحاجة إلى دراستها، والمخاطر التي قد تنتج عنها، والجهة التي ينبغي أن تنظمها وتتحمل مسؤولية آثارها.
ويبقى التحدي الأبرز هو إيجاد توازن بين فهم الخيارات العلمية المتاحة والاستعداد للمخاطر المناخية المستقبلية، وبين تجنب تحويل تقنيات لا تزال مثار خلاف إلى حلول جاهزة قبل معرفة آثارها وحدودها.
سبوتنيك عربي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى