الاخبار

بعد 10 سنوات من الإفراج عنه.. أميركي يعود إلى دمشق بحثاً عن أدلة لمحاسبة معذّبيه

عقب عقد من الزمن على معانقته الحرية، وطأت قدم المواطن الأميركي كيفن باتريك دوز أرض دمشق مجدداً في أكتوبر/تشرين الأول 2026. لكن العودة هذه المرة لم تكن لتضميد جراح الماضي فحسب، بل لملاحقة جلاديه وتوثيق الانتهاكات الجسيمة التي شهدها خلف قضبان السجون السورية عقب انهيار النظام السابق.

وفي حديث خص به وكالة الأناضول، كشف دوز عن دوافعه للعودة؛ حيث زار المعتقل الذي احتُجز فيه سعياً لحشد أدلة تدين المتورطين في جرائم التعذيب وتقودهم إلى منصة العدالة. كما يسهم دوز في المجهودات الجارية للتعرف على جثامين الضحايا المدفونين في المقابر الجماعية، أملًا في تسليم رفاتهم لعلائلاتهم التي تنتظر معرفة مصيرهم.
مهمة إنسانية انتهت بالاعتقال

تجلس بداية المعاناة في عام 2012، عندما قرر دوز دخول الأراضي السورية محملاً بشحنات إغاثية ومستلزمات طبية لنجدة المدنيين في مناطق النزاع. غير أن رحلته الإنسانية قُطعت في الثالث من أكتوبر/تشرين الأول من العام ذاته، حين اعتقلت قوات النظام عقب عبوره الحدود بفترة وجيزة. أُمضي دوز نحو ثلاث سنوات ونصف داخل معتقلات دمشق، ويرجح أنه أمضى معظمها في “الفرع 248” التابع للاستخبارات.
فظائع وحشية وتأثيرات صحية دائمة

واجه الناجي الأميركي أشكالاً قاسية من التنكيل والتعذيب الممنهج؛ شملت الإيهام بالغرق، والضرب المبرح، والإيذاء الجسدي، والتجويع الشديد. تسببت هذه الممارسات في بتر جزء كبير من قدمه اليمنى مما يعيق حركته حتى اليوم، إلى جانب إصابته بجلطة دماغية أثرت على قدرته على الكلام وضاعفت من معاناته النفسية والجسدية.

ويروي دوز تفاصيل معيشية مرعبة داخل الزنزانة، حيثُ حُرم من الأغطية والبطانيات في أوقات البرد القارس، وبقي مكبلاً بالسلاسل إلى قضبان النافذة لأيام متواصلة. ونتيجة سوء التغذية الحاد، تراجع وزنه إلى نحو 36 كيلوغراماً فقط، لدرجة اضطراره أحياناً للبحث عن بقايا الطعام في نفايات الحمامات. كما اتسمت جلسات التحقيق بعنف مفرط لإجباره على توقيع اعترافات ملفقة وتصويرها كاميراً، فيما كان أحد الأشخاص يضمّد جروحه صوريًا ليُعاد تعذيبه مجددًا.
شهادات على قتل الأطفال وتكديس الجثث

ومن أكثر الذكريات قسوة التي لا تزال تؤرقه، مشاهدته تعذيب طفلين حتى الموت، تراوحت أعمارهما بين الثامنة والعاشرة. واستذكر كيف كان أحد الأطفال يستيقظ نادباً ومذعوراً، بينما كان الحراس يتقربون منه مهنياً لتنفيذ مهام بسيطة قبل سحبه مجدداً للتعذيب.

وبعد اختفاء صوت الطفل في ديسمبر/كانون الأول 2013، أدرك دوز لاحقاً بعد خروجه أن الطفل قد قضى تحت التعذيب، مشيراً إلى أنه تعرف عليه عبر التسريبات الشهيرة المعروفة بـ “صور قيصر”. وأكد دوز أن كثرة الضحايا داخل المعتقل دفعت إدارة السجن لتكديس الجثث في أكياس بلاستيكية على الأسطح، مؤكداً أن آلاف المعتقلين سلكوا هذا الطريق المظلم نحو حتفهم، وهو ما يدفعه اليوم للبحث عن الأدلة لمساعدة العائلات في الاستدلال على جثامين أبنائها.
التقاء مع الطبيب البريطاني عباس خان

كما تطرق دوز إلى علاقته بالطبيب البريطاني عباس خان، جراح العظام الذي اعتُقل أواخر عام 2012 في حلب أثناء تطوعه الإنساني، وقُتل لاحقاً داخل معتقلات دمشق في ديسمبر 2013.

تواصل الاثنان عبر الصراخ بين الأبواب المتقاربة، واتفقا على أن يرسل من يخرج منهما أولاً نداءً للعالم بوجود الآخر. ونفذ خان الاتفاق بعدما نجحت والدته في العثور عليه وزيارته، فنقل معلومات عن احتجاز دوز ساعدت المخابرات والجهات الأميركية على تحديد موقعه. وعلى الرغم من إعلان النظام حينها انتحار خان، إلا أن تحقيقات النيابة البريطانية عام 2014 خلصت إلى أنه تعرض لـ “قتل غير مشروع”.
من التحقيق إلى الإفراج عبر موسكو

خلال فترة احتجازه، سمح للنص الدبلوماسي التشيكي -الممثل للمصالح الأميركية في سوريا- بزيارة دوز. وخلال إحدى المكالمات التي رصدها المحققون مع عائلته، صرخ دوز بأسماء ومعلومات استهدف بها تنبيه مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI). أدى ذلك لتعليق المساعدات والإغاثة التي كان يتلقاها وإعادته لجولات تعذيب جديدة.

وفي وقت لاحق، نُقل دوز بشكل مفاجئ إلى المطار ليتسلمه عناصر من القوات الخاصة الروسية، حيث أُطير به مقيداً ومعصوب العينين إلى موسكو. وهناك استلمه مسؤولون أميركيون ونقلوه إلى السفارة لتلقي الفحوصات الطبية الأولية، قبل أن يُنقل إلى قاعدة عسكرية في ألمانيا للاستشفاء ومن ثم عودته للولايات المتحدة.

وفقاً لذلك، أعلنت وزارة الخارجية الأميركية في 8 أبريل/نيسان 2016 رسمياً إطلاق سراح مواطن أميركي كان معتقلاً في سوريا، وأثنت على الدور التسهيلي الذي لعبته حكومتا روسيا والجمهورية التشيكية، قبل أن يتأكد لاحقاً أن المعني هو كيفن باتريك دوز.

تلفزيون سوريا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى