الاخبار

القطاع الخاص ضحيةً لسياسة «العزل»: كلّ شيء… للأجانب

قبل نحو عام ونيف، حذّر بيانٌ نُسب وقتها إلى «رجال أعمال سوريين» من ظاهرة استبعاد «رموز الاقتصاد السوري» من المشاريع التي تمنحها الحكومة الانتقالية لشركات وشخصيات، تدور حول بعضها شكوك تتعلّق بمدى جدّيتها وملاءتها المالية.
واستنكر البيان المذكور ما سمّاها «آليات الاختيار المشبوهة ونظام المناقصات المُتّبَع، والذي يخالف أبسط معايير النزاهة».
لاحقاً، ومع توسّع دائرة مذكّرات التفاهم والعقود الحكومية الموقَّعة مع شركات ومؤسّسات عربية وأجنبية، باتت قناعة الكثيرين بأن السياسة الجديدة لا تستهدف استبعاد «رموز الاقتصاد» فقط، إنما عموم القطاع الخاص بمؤسّساته وشركاته بمختلف تصنيفاتها وأحجامها، خصوصاً تلك التي ظلّت تعمل داخل البلاد أيام حكم النظام السابق.
ويرى البعض في ذلك امتداداً لسياسة «العزل الاقتصادي» غير المُعلَنة التي تنفّذها الحكومة الانتقالية على عدّة مستويات، أبرزها: إجبار العاملين في مؤسّسات الدولة على الاستقالة، الحجز الاحتياطي على الأموال المنقولة وغير المنقولة – والذي يقال إنه يستهدف في إطاره العام ما يزيد على 250 ألف شخص -، محاصرة أبناء الساحل في مصادر دخلهم الأساسية عبر عمليات الاستيلاء على الأملاك، القتل العشوائي للمزارعين في حقولهم، وتخريب المحاصيل الزراعية، وغيرها.
وتجد هذه الفرضية ما يعزّزها في مطالبات علنية من جانب بعض رجال الأعمال بضرورة منح الشركات المحلّية الفرصة للنجاح، وإثبات حضورها، وتوسيع إمكاناتها وقدراتها، والأهمّ منحها الثقة؛ وهي مطالبات ما كانت لتخرج بأسماء أصحابها لولا قناعتهم بوجود «تهميش متعمّد»، وأن «الخارج يأخذ كلّ شيء»، كما قال أحدهم.
بالتراضي وللخارج
بين منتصف كانون الثاني 2025 ونهاية آب 2026، وقّعت عدّة وزارات ومؤسّسات ما يقرب من 129 بين مذكّرة تفاهم وعقد واتفاقية تعاون في مجالات عدّة، أبرزها: الطاقة، والنفط، والنقل، والمياه، والاتصالات، والصحة، والزراعة، والصناعة، والسياحة، والخدمات اللوجستية، وغيرها.
وقد تمّ إحصاء هذا العدد من خلال مراجعة ما يقرب من 94 مناسبة شهدت مراسم توقيع، أو تمّ فيها الإعلان عن التوصّل إلى وثيقة تعاون أو أكثر.
وتبعاً لعدد الوثائق المُعلَنة، يمكن ترتيب قائمة الدول أو جنسيات الشركات المُتعاقَد معها على النحو التالي: السعودية، تركيا، قطر، الإمارات، فرنسا، ألمانيا، الولايات المتحدة، الصين، وغيرها، فيما السِّمة الغالبة لهذه العقود ومذكّرات التفاهم أنها جرت غالباً عن طريق الاتفاق «بالتراضي»، ولغايات سياسية، وهو أمر يثير شكوكاً ليست بالقليلة حيال جدواها الاقتصادية، ولا سيما في ظلّ غياب عروض منافِسة من جهات وشركات أخرى.
المدافعون عن التوجّهات الاستثمارية للحكومة الانتقالية، يطرحون مبرّرات تبدو منطقية أو موضوعية في ظاهرها
الملاحظة الأخرى المهمّة إزاء ذلك، تتمثّل في الغياب التامّ للشركات والمؤسّسات المحلية، خاصة أن هناك عقوداً أو مذكّرات تفاهم تتضمن تنفيذ مشاريع هي ضمن قدرات القطاع الخاص المحلّي وإمكاناته. ومع هذا، فقد مُنحت تلك المشاريع لشركات عربية أو أجنبية، من قَبيل مشاريع الأتمتة والتحوّل الرقمي، وأعمال ترميم المنشآت الصحية واستثمارها، وتجهيزات قطاع المياه والطاقة، وغيرها. وتعقيباً على ما تَقدّم، تعتقد أوساط تجارية وصناعية أن هناك توجّهاً غدت ملامحه شبه واضحة للجميع، يقوم على استبعاد القطاع الخاص، الذي بقي يعمل في الداخل طيلة سنوات الحرب، من أيّ تعاون استثماري مع الوزارات والمؤسسات العامة.
هذا الاستبعاد، كما تراه تلك الأوساط، له وجهان: الأوّل مباشر، يتمثّل في عدم إشراك المؤسّسات الخاصة في مشاريع تطوير عمل المؤسّسات العامة وتحديثها، وهي مشاريع أُعطيت لشركات خارجية محدّدة، وحتى من دون الإعلان عن استدراج عروض أو إجراء مناقصات مفتوحة للحصول على العرض الأفضل من حيث المواصفات والسعر. وأمّا الوجه الثاني، فغير مباشر، ويتعلّق بالتعاقدات الثانوية التي تجريها الكيانات الأجنبية لتنفيذ ما حظيت به من مشاريع؛ إذ غالباً ما تذهب هذه التعاقدات أيضاً إلى شركات خارجية أو أخرى محلّية أُسّست حديثاً. والمشكلة هنا، لا تكمن في استبعاد المؤسّسات المحلّية العريقة فقط، وإنما في تكلفة الحلقة الوسيطة واستثمار رأس المال المحلّي عوضاً عن ضخّ أموال من الخارج. فمثلاً، في قطاع النفط، جرى تأسيس شركات حديثة مرتبطة بشكل غير مباشر بمجموعة خليجية كبرى، ومن ثمّ مُنحت عقود خدمة بملايين الدولارات؛ وهو ما ينسحب على قطاعات أخرى.
إعادة تشكيل للسوق
المدافعون عن التوجّهات الاستثمارية للحكومة الانتقالية، يطرحون مبرّرات تبدو منطقية أو موضوعية في ظاهرها، من قَبيل اجتذاب تمويلات خارجية كبيرة ليس في مقدور المستثمر المحلّي توفيرها، واستغلالها في تنفيذ مشاريع ضخمة من مثل تطوير مطار دمشق الدولي، إضافة إلى الإفادة من الخبرات الفنية والتكنولوجيا المتطوّرة لهذه الشركات وتوطينها في البلاد.
غير أن ما يحدث عملياً لا ينبئ بذلك؛ فالعديد من المشاريع الكبرى يراد تمويلها من مدّخرات السوريين عبر طرح الاكتتاب المُسبق أو البيع على المخطّط – مثلما هو حال مشروعات العقارات -، بينما مثلاً سيتمّ تنفيذ مشروع توسعة مطار دمشق بقرض مصرفي دولي، وفق ما نشرته أخيراً الصحافة الغربية.
أمّا توطين التكنولوجيا، فيمكن أن يتحقّق عندما يُتاح للشركات المحلّية العمل مع الشركات العالمية وتنفيذ مشاريع وطنية ودعمها.
ولا تبدو هذه المسألة منفصلة عن الطريقة التي أديرت بها العلاقة بين الاقتصاد والسياسة في سورية خلال العقود الماضية.
فلسنوات طويلة، ظلّت المصالح الاقتصادية الوطنية في خدمة السياسة، وبقي المواطن السوري يدفع ضريبتها، من العلاقة مع المعسكر الاشتراكي، إلى العلاقة مع تركيا وقطر، ثم لاحقاً مع روسيا وإيران.
واليوم، تسير السلطة الجديدة على النهج نفسه؛ فالنفط وتوابعه مُنحا لشركات أميركية وقطرية، والأسواق والصناعة لتركيا، والعقارات والبنى التحتية للسعودية والإمارات، فيما القطاع الخاص السوري عليه أن يعتاش فقط على فتات بعض المناقصات والمشتريات الحكومية. وهنا، تُظهِر عملية تتبّع إعلانات «الهيئة العامة للإمداد والتوريد»، التي أُنيط بها التعاقد على المشتريات الحكومية، أن نحو 44 طلب عروض أسعار أو مناقصة تمّت بين شهرَي شباط وآب الماضيَين، معظمها عبارة عن قطع تبديل وتجهيزات ومستلزمات عمل لبعض الوزارات والمؤسسات، وعلى رأسها وزارة الصحة التي أُحصي ما يقرب من 11 إعلان مناقصة وطلب عروض لها، ووزارة التعليم العالي التي سُجّلت نحو 9 إعلانات لمصلحتها. أمّا وزارة الطاقة الغنية اليوم بفرص استثمارها، والموزّعة على قطاعات حيوية، هي: النفط والغاز والكهرباء والمياه، فإن عدد إعلاناتها المنشورة خلال الفترة المُشار إليها آنفاً، لم يتعدَّ أربعة، اقتصرت على تأمين لوازم عادية، من مثل توريد قساطل من الحديد المزيبق، وتقديم وتركيب محوّلات كهربائية لآبار الضخ ومركز تحويل في مناجم الشرقية وخنيفيس.
في النتيجة، يبدو ما يحدث اليوم بمثابة عملية لإعادة تشكيل السوق السورية، وذلك كجزء من «محاسبة» مَن بقي يعمل تحت سلطة النظام السابق، وليس لتنمية بيئة الأعمال وإخضاعها للشفافية والحوكمة المؤسّساتية.
والمدخل في عملية إعادة التشكيل تلك، هو الفرص الاستثمارية ومشاريع تحديث أداء مؤسّسات الدولة، وتطوير خدماتها، وتلبية احتياجاتها.
إلا أن هذا ما يتمّ بشكل عشوائي، وربطاً بتوجّهات وعلاقات أفراد موجودين اليوم في مواقع صنع القرار الحكومي.
وإلّا، كيف يمكن تفسير تعاقد وزارة الإدارة المحلية مع شركة تركية لأتمتة أعمالها، ووزارة الطاقة مع شركة سعودية للغاية ذاتها، والزراعة مع شركة إماراتية، وهكذا؟
الأخبار

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى