أزمة الاقتصاد السوري.. كيف يمكن تجاوز التحديات واستعادة النمو؟

يقف الاقتصاد السوري أمام مرحلة مفصلية تتطلب معالجة الاختلالات المتراكمة، وإعادة تنشيط القطاعات الإنتاجية، وتحسين الظروف المعيشية للمواطنين.
وبين تراجع الاستثمار وارتفاع الأسعار واضطراب سعر الصرف، تبرز تساؤلات حول الإجراءات التي ينبغي للحكومة اتخاذها لإطلاق مرحلة التعافي وتحقيق نمو اقتصادي مستدام.
ويرى الخبير الاقتصادي والمصرفي الدكتور إبراهيم نافع قوشجي، في تصريح خاص لموقع «سيريانديز»، أن الاقتصاد السوري يواجه تحديات هيكلية عميقة بعد سنوات طويلة من الضغوط والتحولات، ما يستدعي الانتقال من المعالجات المؤقتة إلى خطة إصلاح شاملة تقوم على تعزيز المنافسة، وتحرير القطاعات الإنتاجية، وإعادة بناء المنظومة النقدية والمصرفية.
اختلالات متراكمة تضغط على الاقتصاد
يشير قوشجي إلى مجموعة من المشكلات التي تعيق تعافي الاقتصاد السوري، في مقدمتها تراجع الاستثمار وخروج رؤوس الأموال إلى الخارج، نتيجة ضعف بيئة الأعمال وعدم الاستقرار.
وقد انعكست هذه الظروف على الناتج المحلي الإجمالي، وأضعفت قدرة البلاد على الإنتاج والنمو.
ويواجه القطاعان الصناعي والزراعي، وفق تشخيصه، مشكلات تتعلق بتدهور البنية التحتية وتقادم المعدات والآلات، إلى جانب ضعف كفاءة سلاسل الإمداد. وتزامن ذلك مع ارتفاع التضخم وتراجع القوة الشرائية، الأمر الذي قلّص قدرة المواطنين على الاستهلاك وأضعف الطلب في الأسواق.
كما يشكل تقلب سعر صرف الليرة السورية أمام العملات الأجنبية عاملاً إضافياً في زيادة حالة عدم اليقين لدى التجار والمستثمرين، ويحدّ من قدرتهم على وضع خطط مالية واستثمارية طويلة الأجل، فضلاً عن تأثيره في حركة التجارة مع الخارج.
تحرير الأسواق وتسهيل الاستثمار
يرى الخبير الاقتصادي أن استعادة النشاط الاقتصادي تتطلب مراجعة السياسات التي تحدّ من المنافسة، والعمل على إزالة القيود التي تعرقل عمل القطاعات الإنتاجية، بما يتيح بيئة أكثر عدالة أمام الشركات والمستثمرين، ويساعد على تحسين جودة السلع والخدمات ورفع كفاءة استخدام الموارد.
ويشدد كذلك على ضرورة تبسيط إجراءات الاستثمار، والحد من البيروقراطية، وتطوير الخدمات الحكومية إلكترونياً، واعتماد نظام النافذة الواحدة لمنح التراخيص، بما يختصر الوقت والتكاليف أمام أصحاب المشاريع.
إصلاح المصارف والسياسة النقدية
ويضع قوشجي إصلاح القطاع المصرفي ضمن الأولويات الأساسية للتعافي، معتبراً أن عودة المصارف إلى أداء دورها في تمويل الاقتصاد ترتبط باستعادة ثقة المودعين والمستثمرين، وتعزيز الشفافية وحماية الودائع، وتوفير السيولة اللازمة لتمويل المشاريع الإنتاجية.
كما يدعو إلى تفعيل أدوات السياسة النقدية للمصرف المركزي، بما يساعد على الحد من التضخم وضبط المعروض النقدي وتعزيز استقرار سعر الصرف. ويطرح أيضاً مراجعة مستويات الفائدة بما يشجع الاقتراض الموجه إلى الإنتاج والاستثمار، ويحد من تفضيل الاحتفاظ بالأموال بعيداً عن النشاط الاقتصادي.
تنشيط سوق دمشق للأوراق المالية
ومن بين المقترحات التي يطرحها الخبير، تطوير سوق دمشق للأوراق المالية وتوسيع دوره في تمويل الشركات. ويشمل ذلك تعزيز الإفصاح والشفافية وتشجيع إدراج الشركات المساهمة في السوق، بما يتيح لها مصادر تمويل إضافية، ويوفر للمستثمرين فرصاً للمشاركة في النشاط الاقتصادي.
ويمكن، وفق هذه الرؤية، أن يسهم تنشيط سوق المال في تنويع قنوات التمويل، وتخفيف الاعتماد على الوسائل التقليدية، وتوسيع قاعدة المشاركة في الاستثمارات.
تشريعات حديثة ونظام ضريبي داعم للإنتاج
ويؤكد قوشجي أهمية تحديث التشريعات الاقتصادية وقوانين الاستثمار، بما يوفر ضمانات قانونية واضحة للمستثمرين المحليين والأجانب، ويجعل بيئة الأعمال أكثر ملاءمة للمشروعات الجديدة والتوسع في الإنتاج.
أما على الصعيد الضريبي، فيدعو إلى بناء نظام أكثر عدالة، يخفف الأعباء عن القطاعات الإنتاجية، ويقدم حوافز مدروسة للأنشطة الواعدة، بدلاً من تحميل الشركات تكاليف إضافية تحد من قدرتها على العمل والتوسع.
الإصلاح الشامل بوابة التعافي الاقتصادي
ويخلص قوشجي إلى أن تجاوز الأزمة الاقتصادية السورية يتطلب إرادة إصلاحية وخطة متكاملة تربط بين استقرار الأسعار وسعر الصرف، وإصلاح المصارف، وتطوير أسواق المال، وتحديث التشريعات والضرائب.
وبحسب رؤيته، فإن تهيئة بيئة استثمارية مستقرة وتنافسية يمكن أن تساعد على استعادة الثقة بالاقتصاد، وتشجيع عودة رؤوس الأموال السورية الموجودة في الخارج، وإعادة تنشيط القدرات الإنتاجية. ويبقى نجاح هذه الإجراءات مرتبطاً بقدرة السياسات الحكومية على التحول إلى خطوات عملية تنعكس على فرص العمل ومستوى الدخل والظروف المعيشية للمواطنين.
سيريانديز



