الاخبار

توتّر كردي – عربي مُتنامٍ: الحسكة تختبر هشاشة «اتفاق الدمج»

تعيش محافظة الحسكة على وقع توتّر مستمر بين المُكوِّنَين العربي والكردي، وذلك بفعل التحريض المتواصل على مواقع التواصل الاجتماعي، والهجمات المتبادلة بين بعض الأطراف من الجانبَين، والتي تخلّلتها اعتداءات على رموزهما كليهما. وكان اتّخذ هذا التوتر مساراً مُتعرِّجاً، منذ بدء تطبيق اتفاق 10 آذار 2025، القاضي بدمج «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) في مؤسّسات السلطات الانتقالية، والذي تبعته هجمات من قِبل الأخيرة على الأولى – التي نفضت الولايات المتحدة يدها من دعمها -، انتهت بتوقيع اتفاقية 29 كانون الثاني 2026؛ إذ اتّسم بالحدّة في بعض الأحيان، ومحاولة الاحتواء في أحيان أخرى، خصوصاً بعد أن تبنّت قبائل عربية موقفاً متشدّداً تجاه «قسد»، قوبل بآخر أكثر تشدّداً من قِبل «الشبيبة الثورية» (وهي تنظيم كردي متشدّد القومية).

وتجلّى أحدث فصول هذا التوتر، خلال الأيام الماضية، في الحسكة، حيث كان تَسلّم الأكراد مناصب قيادية، بينها منصب المحافظ، وتمّ دمج عناصر قوات الأمن الكردية (الأسايش) مع قوى الأمن التابعة للسلطات الانتقالية. وبالتزامن مع استكمال خطوات الدمج، أثار رفع علم سوريا في ساحة الحسكة الرئيسية الخميس الماضي، توتراً كبيراً بين الطرفَين؛ إذ دعت القبائل إلى خروج تظاهرات تخلّلتها أعمال تهشيم لبعض الرموز الكردية (من بينها لافتات وصور)، في حين خرجت تظاهرات كردية مضادّة ألقى المشاركون فيها الحجارة على قوات الأمن، التي ردّت بإطلاق النار في الهواء. وفي وقت استمرّت فيه، في الأيام التالية، حملات التحريض والتهديد عبر مواقع التواصل الاجتماعي وبعض المنابر الإعلامية، وسُجّلت حوادث رشق بالحجارة وتحطيم السيارات، لم تُعلن أيّ حصيلة رسمية لعدد المصابين. لكن مصادر متقاطعة ذكرت أن ثلاثة مواطنين كرد أصيبوا بعدما تعرّضوا لإطلاق نار خلال وجودهم على متن سيّارة ترفع العلم الكردي، فيما تمّ تسجيل إصابة عنصر أمن واحد.

ومع محاولة مسؤولي السلطات الانتقالية و«قسد» امتصاص التوتر، اعتبرت مصادر محلّية، في حديثها إلى «الأخبار»، أن ما يجري على الأرض يمثّل تجسيداً مباشراً لحالة الهشاشة التي بُني عليها اتفاق الدمج، مشيرةً إلى شعور العرب الذين كانوا يحظون طيلة العقود الماضية بأفضلية في التعامل، في مقابل «تجاهل النظام السابق للأكراد، وحرمان قسم كبير منهم من الجنسية، بتراجع دورهم، وشعور الكرد أنفسهم بخسارة المُكتسبات التي حصلوا عليها خلال سنوات الحرب»، بما فيها «الإدارة الذاتية» والقوات التي تم حلّها بموجب الاتفاق. وكانت أعلنت قيادة الأمن الداخلي في الحسكة تعزيز انتشارها وتسيير دوريات إضافية، متحدّثةً عن قيام «مسلّحين خارجين عن القانون» بإطلاق النار وإثارة الفوضى، فيما نبّه محافظ الحسكة، نور الدين أحمد، إلى أن التعبير عن المطالب حق مشروع، لكن أعمال التخريب والاعتداء على الممتلكات والرموز غير مقبولة. ولفت إلى أن مراسم رفع العلم السوري «جاءت لتأكيد وحدة البلاد» واستكمال تنفيذ عملية الدمج، متهماً أطرافاً لم يسمّها بمحاولة استغلال المشاعر القومية وتعطيل العملية، من دون أن يتطرّق بصورة مباشرة إلى الاعتداءات التي طاولت الرموز الكردية أو يحدّد الجهة المسؤولة عنها.

في المقابل، وصفت إلهام أحمد، المسؤولة السابقة في «الإدارة الذاتية»، ما جرى بأنه محاولة لإثارة «فتنة خارجية ضدّ الكرد»، مؤكدة استمرار التنسيق الأمني والسياسي مع السلطات الانتقالية لاحتواء التوتر، بالتوازي مع تمسّكها بضرورة تثبيت الحقوق الكردية واللغة الكردية في الدستور. غير أن القائد العام السابق لـ«قسد»، مظلوم عبدي، الذي عيّنه أحمد الشرع مستشاراً رئاسياً في 28 آب الماضي، التزم الصمت حيال الأحداث، ولم يصدر منه، حتى الآن، موقف علني مباشر، علماً أن هذا التوتّر يشكّل أوّل اختبار جدّي لدوره الجديد، ويطرح تساؤلات حول ما إذا كان منصبه يمنحه تأثيراً فعلياً في إدارة الملفّات الكردية، أم أنه بقي في حدود التمثيل السياسي الرمزي.

ولا ينفصل التوتر الأخير عن وجود ملفات أساسية تركها اتفاق الدمج مفتوحة، بينها مصير المعتقلين والمفقودين، وآلية توزيع الوظائف والمناصب الأمنية والإدارية، ومستقبل تدريس اللغة الكردية، وحدود صلاحيات المسؤولين المحليين. وكانت شهدت الحسكة، خلال الأشهر الماضية، مؤشّرات مبكرة إلى الاحتقان، أبرزها الاحتجاجات التي اندلعت في أيار الماضي بعد استبدال اللوحة التعريفية للقصر العدلي، التي كانت مكتوبة باللغتَين العربية والكردية، بأخرى خلت من الكردية. وعلى الرغم من معالجة الحادثة لاحقاً، كشفت الأزمة أن عملية دمج المؤسّسات لا تزال تصطدم بخلافات تتجاوز الترتيبات الإدارية، وتتّصل بمكانة اللغة الكردية والرموز المحلّية وطبيعة الهوية التي ستتبنّاها مؤسسات الدولة في المحافظة، ما يجعل أيّ خلاف إداري أو اعتداء على رمز قومي قابلاً للتحوّل سريعاً إلى مواجهة بين الطرفَين.

الأخبار

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى