الاخبار

الانتخابات الإسرائيلية.. ما الذي تنتظره دمشق؟

لا تقتصر أهمية الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 تشرين الأول الحالي على الداخل الإسرائيلي، بل تتجاوز ذلك إلى دول المنطقة، في ظل التصعيد العسكري والسياسة الأمنية التي تنتهجها حكومة بنيامين نتنياهو منذ هجوم 7 تشرين الأول 2023، الذي نفذته حركة حماس تحت اسم «طوفان الأقصى».
ولا يزال أثر هذا الحدث حاضرًا بقوة في المجتمع الإسرائيلي، وسط انقسام بشأن أداء الحكومة وطريقة إدارتها للملفات الأمنية والعسكرية.
وبذلك، تبدو الانتخابات المقبلة اختبارًا لمدى استمرار الدعم الشعبي لنهج نتنياهو أو الرغبة في تغييره.
وتتابع دمشق هذه الانتخابات باهتمام، خصوصًا في ضوء التداعيات التي خلفتها السياسة الإسرائيلية والتوغلات العسكرية في جنوب سوريا منذ 8 كانون الأول 2024.
وتبرز هنا تساؤلات حول ما إذا كان التغيير المحتمل في الحكومة الإسرائيلية قد ينعكس على طبيعة العلاقة مع دمشق، ويفتح المجال أمام مسار تفاوضي يحد من التصعيد.
سياسة إسرائيل تجاه سورية.. تغيير محتمل أم استمرار للنهج الحالي؟
يرى الباحث في العلاقات الدولية، الدكتور محمد اليمني، أن دمشق تترقب نتائج الانتخابات لمعرفة ما إذا كانت الحكومة الإسرائيلية المقبلة ستواصل سياسة الضغط العسكري والتوغلات، أم ستتجه نحو إتاحة مساحة أوسع للمفاوضات.
ويشير اليمني إلى أن الأولوية بالنسبة إلى سوريا تتمثل في التوصل إلى ترتيبات أمنية تحد من التصعيد وتساعد على تحقيق الاستقرار في الجنوب السوري.
ويضيف أن وصول حكومة جديدة إلى السلطة قد يتيح فرصة لإعادة تحريك المفاوضات، وتقليص الضربات الإسرائيلية، والبحث في الانسحاب أو إعادة انتشار القوات، إلى جانب وضع ترتيبات أمنية أكثر وضوحًا. كما يمكن أن يمهد ذلك لدور عربي وأمريكي أوسع في دعم استقرار سورية.
لكن اليمني يستبعد حدوث تحول جذري في الاستراتيجية الإسرائيلية تجاه سورية بمجرد تغير رئيس الحكومة، موضحًا أن هذه السياسة لا ترتبط بشخص نتنياهو وحده، بل تتأثر أيضًا بمواقف المؤسسات الأمنية والعسكرية الإسرائيلية.
وفي السياق نفسه، يتفق الباحث في مركز «الحوار للأبحاث والدراسات» في واشنطن، عمار جلو، مع احتمال أن تترقب الحكومة السورية أي تغيير سياسي في إسرائيل يمكن أن يقود إلى مقاربة مختلفة في التعامل مع الملف السوري.
ويلفت جلو إلى أن نهج حكومة نتنياهو يواجه انتقادات داخل الأوساط السياسية والفكرية الإسرائيلية، انطلاقًا من أن استقرار سورية وبسط سيطرتها على كامل أراضيها قد يصبان في مصلحة إسرائيل.
ولا يستبعد جلو أن تقدم حكومة إسرائيلية جديدة على خطوات عملية، من بينها التوصل إلى اتفاق أمني جديد أو إعادة إحياء اتفاق فصل القوات الموقع بين سورية وإسرائيل عام 1974.
لكنه يشدد في الوقت نفسه على أن تغيير الحكومة لا يعني بالضرورة تبدل الاستراتيجية الإسرائيلية أو خطوطها العامة بسهولة.
ما خيارات دمشق إذا استمر التصعيد الإسرائيلي؟
في حال لم تشهد السياسة الإسرائيلية تجاه سورية تحولًا ملموسًا، يرى عمار جلو أن دمشق تستطيع العمل على زيادة الضغوط الأمريكية على إسرائيل، ولا سيما أن واشنطن، بحسب تقديره، لا تؤيد طريقة التعامل الإسرائيلية مع الملف السوري، وتشجع على اعتماد الحوار بدلًا من التصعيد.
ويطرح جلو أيضًا خيار توسيع التحرك الدبلوماسي السوري لحشد مواقف إقليمية ودولية داعمة، بما يعزز الضغط على التحركات الإسرائيلية في الجنوب السوري.
ويشير في هذا الإطار إلى أهمية المواقف الأوروبية، وإمكانية الاستفادة من أي تحول في توجهاتها تجاه القضية السورية.
كما يرى أن تعزيز العلاقات مع دول مجموعة «بريكس» ومنظمة شنغهاي للتعاون قد يمنح دمشق مجالًا إضافيًا للتحرك على الساحة الدولية، في ظل ما تمثله هذه الدول من مواقف تعبر عن توجهات بلدان الجنوب العالمي.
من جهته، يرجح محمد اليمني استمرار الحكومة السورية في اعتماد المسار التفاوضي وتكثيف اتصالاتها الدبلوماسية، مع الاستعانة بالولايات المتحدة والأردن والدول العربية لدفع الجهود الرامية إلى التوصل لترتيبات أمنية في الجنوب.
ويشير كذلك إلى أهمية مواصلة بناء القدرات العسكرية والمؤسسات الأمنية السورية، مع ترجيح تجنب دمشق الدخول في مواجهة شاملة خلال المرحلة الحالية.
الوساطة الأمريكية.. هل تعود المفاوضات بعد الانتخابات؟
سبق للولايات المتحدة أن أدت دور الوسيط في الاتصالات بين دمشق وتل أبيب، بهدف التوصل إلى تفاهمات مشتركة. لكن هذا الدور تراجع خلال العام الحالي، مع غياب الحديث عن جولات تفاوض جديدة منذ الاجتماع الأخير الذي عُقد في باريس مطلع عام 2026.
وأدى هذا التراجع إلى بروز تقديرات لدى مراقبين وباحثين ترجح أن واشنطن قد تنتظر اتضاح نتائج الانتخابات الإسرائيلية قبل إعادة تنشيط مسار الوساطة.
ويعتقد محمد اليمني أن الولايات المتحدة قادرة على أداء دور أكثر فاعلية في الوساطة بين سوريا وإسرائيل بعد الانتخابات، إذا قررت استخدام نفوذها لدفع الطرفين نحو اتفاق أمني واضح يشمل خفض التصعيد ووضع ترتيبات خاصة بالجنوب السوري.
لكنه يلفت إلى أن فاعلية هذا الدور ستتوقف على طبيعة الحكومة الإسرائيلية المقبلة، ومدى استعداد الإدارة الأمريكية لممارسة الضغط اللازم، وليس على نتائج الانتخابات وحدها.
بدوره، يرى عمار جلو أن واشنطن تمتلك فرصًا أكبر من غيرها للتأثير في مسار التفاوض، بالنظر إلى عمق الشراكة التي تربطها بإسرائيل، وإلى موقع سوريا ضمن الاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط.
ويعزو جلو أهمية هذا الدور أيضًا إلى وجود تقاطعات بين توجهات دمشق وواشنطن في عدد من الملفات الإقليمية، ولا سيما ما يتعلق بإخراج إيران من سورية والحد من نفوذ طهران في المنطقة، فضلًا عن معالجة دور التيارات المسلحة غير الحكومية التي نشطت في سورية خلال فترة حكم الأسد.
وبناءً على ذلك، يرى أن الولايات المتحدة قد تكون قادرة على المساعدة في تقريب وجهات النظر بين الحكومتين السورية والإسرائيلية، إذا توافرت الإرادة السياسية اللازمة.
وفي المحصلة، لا تبدو الانتخابات الإسرائيلية وحدها كافية لضمان تحول في السياسة تجاه سورية، لكنها قد تشكل محطة مهمة لتحديد اتجاه المرحلة المقبلة.
وبين احتمال استئناف المفاوضات واستمرار الضغوط العسكرية، يبقى مستقبل الجنوب السوري مرتبطًا بطبيعة الحكومة الإسرائيلية الجديدة، وموقف واشنطن، وقدرة دمشق على توظيف التحركات الدبلوماسية للوصول إلى ترتيبات أمنية أكثر استقرارًا.
عنب بلدي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى