الاخبار

أبخرة غريبة تتصاعد من جبل كوكب في الحسكة.. ما قصتها؟

رجّحت لجنة فنية سورية مشتركة أن تكون الأبخرة البيضاء التي ظهرت مؤخراً من شقوق في منطقة جبل كوكب، شرق مدينة الحسكة، ناجمة عن نشاط بشري مرتبط بمكب نفايات قديم تعرض للطمر والحرق، مستبعدة أن تكون الظاهرة مرتبطة بنشاط زلزالي أو تكتوني.
وجاء هذا الاستنتاج بعد جولة ميدانية نفذتها لجنة ضمت خبراء من المركز الوطني للزلازل، وإدارة الاستجابة للمواد الخطرة في وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث، والمؤسسة العامة للجيولوجيا والثروة المعدنية التابعة لوزارة الطاقة.
وهدفت أعمال الكشف إلى تحديد طبيعة الانبعاثات ودراسة التفسيرات المحتملة لظهورها، في ضوء الخصائص الجيولوجية للمنطقة والمشاهدات المسجلة في الموقع.
جبل كوكب ضمن منطقة بركانية
أظهر التقرير الفني أن جبل كوكب يقع ضمن منطقة ذات طبيعة بركانية، تعود أعمار اندفاعاتها البركانية إلى العصر الرباعي الحديث، ويُعد أحد المخاريط البركانية المنتشرة فيها.
وتقع الصخور البركانية في المنطقة فوق رواسب سيلية ونهرية تعود إلى الرباعي الأعلى، فيما يرجع بعضها إلى عصري الميوسين والبليوسين.
ودفعت هذه الخصائص اللجنة إلى دراسة احتمال ارتباط الأبخرة بعمليات جيولوجية أو زلزالية، إلى جانب البحث في العوامل البشرية والبيئية التي يمكن أن تكون وراء ظهورها.
مكب نفايات قديم وآثار حرق حديثة
خلال المعاينة الميدانية، عثر أعضاء اللجنة على مكب نفايات قديم يقع بين صبتين بركانيتين، وتبيّن أن جزءاً منه جرى طمره باستخدام سواتر ترابية مفككة وغير متجانسة.
كما رصد الفريق آثار حرق حديثة لمواد بلاستيكية وإطارات مطاطية على امتداد السواتر الترابية، بالتزامن مع ظهور تشققات في التربة المفككة بالموقع.
وفي المقابل، لم تسجل المعاينة وجود انبعاثات غازية غير طبيعية أو روائح مميزة يمكن أن تشير إلى وجود غازات مثل الميتان (CH4) أو كبريتيد الهيدروجين (H2S).
وعززت هذه المشاهدات اهتمام اللجنة بفرضية ارتباط الظاهرة بالنفايات المطمورة وعمليات الحرق، بدلاً من افتراض وجود مصدر عميق للأبخرة داخل الطبقات الجيولوجية.
هل ترتبط الأبخرة بالزلازل؟
درست اللجنة احتمال صعود غازات من باطن الأرض عبر الفوالق والشقوق نتيجة النشاط الزلزالي، إذ يمكن للزلازل الكبيرة أو التغيرات في حقول الإجهاد داخل الصخور أن تفتح مسارات تسمح بانتقال الغازات الموجودة في المسام الصخرية إلى السطح.
لكن التقرير استبعد هذا الاحتمال في حالة جبل كوكب، موضحاً أن المنطقة لم تشهد زلازل كبيرة قادرة على إحداث تغيرات في حقول الإجهاد أو تشكيل شقوق وكسور في الطبقات الصخرية تفسر ظهور الأبخرة.
كما استبعد وجود صلة بين الظاهرة وزلزال شانلي أورفا، الذي وقع جنوب شرقي تركيا في 24 أيلول 2026 وبلغت قوته 5.3 درجات، نظراً إلى أن مركزه يبعد نحو 203 كيلومترات عن جبل كوكب.
المسافة عن زلزال شانلي أورفا تتجاوز نطاق التأثير
استند التقرير إلى تقديرات تفيد بأن نصف قطر التأثير التحريضي لزلزال شانلي أورفا يبلغ نحو 79 كيلومتراً، في حين تقع منطقة جبل كوكب على مسافة تقارب 203 كيلومترات من مركز الزلزال.
وأشار إلى أن الهزات الارتدادية المتوقعة وفق قانون باث قد تقل قوتها عن 4.3 درجات، ويمكن أن تستمر عدة أسابيع، إلا أن ذلك لا يغيّر التقييم المتعلق ببعد جبل كوكب عن نطاق التأثير المحسوب.
أما الزلازل التي سجلتها الشبكة الوطنية للرصد الزلزالي في المنطقة الشرقية خلال العام الجاري، فوصفها التقرير بأنها محدودة المقدار، ولا يتجاوز نصف قطرها التحريضي 20 كيلومتراً، في حين تبعد مراكزها عن منطقة كوكب نحو 174 كيلومتراً.
وبناءً على هذه المعطيات، خلصت اللجنة إلى استبعاد النشاط الزلزالي والتكتوني باعتباره السبب المرجح للأبخرة البيضاء.
المياه الجوفية والانبعاثات العضوية ضمن الفرضيات
إلى جانب العامل الزلزالي، بحثت اللجنة احتمال تسرب المياه الجوفية عبر الشقوق والفوالق إلى أعماق أكبر، حيث يمكن أن تتعرض للتسخين، قبل أن تصعد الأبخرة والغازات، ومنها بخار الماء، نحو السطح نتيجة انخفاض الضغط.
كما درست احتمال وجود انبعاثات عضوية أو هيدروكربونية، وهي انبعاثات قد تظهر في المناطق التي تحتوي على توضعات من هذا النوع، عندما تسمح الكسور والشقوق بانتقال غازات مثل الميتان إلى السطح.
لكن نتائج الاختبارات التي أجريت في الموقع لم تُظهر مؤشرات تدعم هاتين الفرضيتين، وفق ما أورده التقرير الفني.
النشاط البشري التفسير الأكثر ترجيحاً
رجّح التقرير أن يكون النشاط البشري السبب الأقرب لتفسير الظاهرة، مستنداً إلى مجموعة من المؤشرات الميدانية، أبرزها وجود مكب نفايات قديم، وطمر أجزاء منه بسواتر ترابية غير متجانسة، إلى جانب آثار الحرق الحديثة التي طالت مواد بلاستيكية وإطارات مطاطية.
وتشير هذه المعطيات إلى احتمال ارتباط الأبخرة بعمليات التحلل أو الاحتراق داخل طبقات النفايات والمواد المطمورة، بدلاً من كونها ناتجة عن نشاط بركاني أو زلزالي عميق.
ويستند هذا الترجيح إلى توافق المشاهدات الميدانية مع وجود المكب وآثار الحرق، مع عدم ظهور أدلة كافية تؤيد الفرضيات الجيولوجية الأخرى.
نتائج فحوص الغازات والمسح الجيوفيزيائي
شملت أعمال اللجنة إجراء فحوص للتحقق من احتمال وجود غازات سامة أو انبعاثات غير طبيعية في المنطقة. وأظهرت نتائج التحاليل التي أجراها فريق الاستجابة للمواد الخطرة عدم تسجيل مثل هذه الانبعاثات.
كذلك، لم يكشف المسح الجيوفيزيائي الذي نفذه فريق المؤسسة العامة للجيولوجيا عن وجود شقوق أو كسور يمكن أن تشكل ممرات لصعود الأبخرة من أعماق الأرض.
وتدعم هذه النتائج، بحسب التقرير، استبعاد الفرضيات التي تفترض وجود مصدر جيولوجي عميق للانبعاثات، وإن كانت لا تحدد وحدها بصورة قاطعة الآلية الدقيقة لتشكل الأبخرة.
الخلاصة: مكب النفايات محور التفسير الأرجح
بعد مقارنة نتائج الكشف الميداني بالخصائص الجيولوجية والزلزالية لمنطقة جبل كوكب، خلصت اللجنة إلى أن الظاهرة ترتبط على الأرجح بالنشاط البشري، ولا سيما وجود مكب النفايات القديم وعمليات الطمر والحرق التي شهدها الموقع.
في المقابل، استبعد التقرير أن تكون الزلازل أو العوامل التكتونية سبباً مباشراً للأبخرة، لعدم وجود نشاط زلزالي بالمستوى اللازم لتفسير تشكل الشقوق المفترضة، فضلاً عن عدم تسجيل مؤشرات على انبعاثات غازية غير طبيعية أو ممرات جيولوجية عميقة.
وبذلك، يبقى مكب النفايات والمواد المطمورة فيه التفسير الأكثر ترجيحاً وفق نتائج اللجنة، مع ضرورة التعامل مع هذه النتيجة بوصفها استنتاجاً فنياً مبنياً على المعاينة والاختبارات التي أجريت في الموقع.
شبكة شام

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى