فرصة اقتصادية… ومنفذ للمتشدّدين : الشرع نحو التورّط في حرب اليمن؟

لم تكن التسريبات الأخيرة حول طلب تَقدّمت به السعودية لاستقدام مقاتلين من سورية للمشاركة في الحرب اليمنية أمراً مفاجئاً، سواء من جهة الأولى، المتورّطة عسكرياً في اليمن منذ أكثر من عقد، أو من جهة الأخيرة، التي تتقاطع فيها عوامل عديدة، بعضها مرتبط بالظروف الاقتصادية السيّئة التي تمرّ بها البلاد، وبعضها الآخر بتركيبة الجيش السوري الناشئ، وما يضمّه من فصائل ذات تاريخ في المشاركة في حروب خارجية. وبحسب التسريبات الجديدة التي نشرتها وكالة «رويترز» وموقع «أكسيوس»، فإن الزيارة الخاطفة التي أجراها الرئيس السوري الانتقالي، أحمد الشرع، إلى السعودية، الثلاثاء الماضي، والتقى خلالها ولي العهد، محمد بن سلمان، وعدداً من المسؤولين بينهم وزير الدفاع خالد بن سلمان ووزير الخارجية فيصل بن فرحان، تقدّمت خلالها الرياض، رسمياً، بطلب إلى دمشق لإرسال مقاتلين إلى اليمن.
وأشارت «رويترز» إلى أن السلطات السورية الانتقالية تبحث حالياً هذا الطلب، وطبيعة المساعدة التي يمكن تقديمها للسعودية، في حين ذكر موقع «أكسيوس»، نقلاً عن ثلاثة مسؤولين أميركيين، أن المباحثات السعودية – السورية تستهدف «تعزيز القوات اليمنية الأقلّ تدريباً مُقارنة بالحوثيين»، وأن طرفَيها أطلعا إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، عليها، مُضيفاً أن الإدارة لا تُعارِض الخطوة من حيث المبدأ، باعتبار أنها قد تعزّز العلاقات بين حليفَي الولايات المتحدة، وتدعم العمليات ضدّ «أنصار الله» من دون انخراط أميركي مباشر فيها.
وإذ شملت المشاورات «القيادة المركزية الأميركية» (سنتكوم) بهدف بحث آلية نشر القوات السورية، فإن ثمّة قلقاً لدى المسؤولين الأميركيين من احتمال أن تضفي هذه الخطوة بُعداً طائفياً على الحرب، وتُسهِم في تفاقم النزاع.
كذلك، نقل «أكسيوس» عن مصدر مطّلع على المناقشات، أن العدد المطروح إرساله يُراوِح بين 10 آلاف و20 ألف جندي، مع بحث إشراك «الفرقة 90» المتمركزة قرب دمشق، و«الفرقة 84» المنتشرة في جنوب سوريا قرب السويداء، والتي تضمّ، بحسب المصدر نفسه، آلاف المقاتلين الأجانب الذين قدموا إلى سوريا خلال سنوات الحرب.
وفي وقت لم تَصدر فيه أيّ تصريحات سعودية تؤكد أو تنفي تلك الأنباء، سارعت إدارة الإعلام الخارجي في وزارة الإعلام السورية إلى نفي ما وصفته بـ«مزاعم انضمام سورية إلى الحرب في اليمن»، مؤكدةً أن الأولوية هي لإعادة بناء البلاد. غير أنها لم تغلق الباب تماماً أمام هذا الاحتمال، موضحةً أن «أيّ تعاون عسكري مع الدول الشريكة لن يتمّ إلّا عبر القنوات الرسمية والأطر الثنائية القائمة».
ويأتي الطلب السعودي على وقع ضغوط اقتصادية مُركّبة تواجهها السلطات الانتقالية، ولا سيما بعد توقف قسم وازن من المساعدات التي كانت تحصل عليها من السعودية وقطر، والذي أدّى إلى التأخّر في دفع الرواتب والأجور، وبشكل خاص في وزارة الدفاع التي تمّ إنشاؤها بعد حلّ الجيش السوري السابق.
أيضاً، يأتي هذا الطلب بالتوازي مع محاولات السلطات فرط عقد الفصائل، وإتمام عملية دمجها ضمن هيكلية وزارة الدفاع، والتي تواجه مقاومة واضحة من جانب بعضها، وبشكل خاص الأجنبية. ويعني ذلك أن الاستجابة للرغبة السعودية قد توفّر «ساحة خارجية» لإبعاد قسم من تلك المجموعات وتخفيف العبء الذي تمثّله داخل سورية، خصوصاً أن ساحة الحرب اليمنية يمكن أن تتوافق مع حالة الاستقطاب الطائفي التي يتغذّى عليها المتشدّدون.
إزاء ذلك، يمكن احتمال أن تلجأ السلطات الانتقالية في سورية إلى حلّ وسطي، تستطيع من خلاله استثمار «الفرصة السعودية»، من دون التورّط مباشرة في مستنقع جديد، أو استدعاء مزيد من الضغوط الداخلية والخارجية عليها، ولا سيما في وقت تحاول فيه تعزيز سيطرتها على الحكم.
ولربّما يتمثّل هذا الحلّ في تأييد العمليات السعودية سياسياً، وإرسال مقاتلين من خارج القنوات الرسمية (وفق الترتيبات التي أُرسل من خلالها سابقاً مقاتلون إلى ساحات قتال عديدة بينها ليبيا).
غير أن الرهان على هذه المعادلة قد يفتح الباب أمام تورّط تدريجي في حرب لم تتمكّن السعودية، ومِن خَلفها الولايات المتحدة، من حسمها طوال السنوات الماضية، وتكبّدت خلالها المملكة والفصائل المدعومة منها خسائر ميدانية كبيرة، انعكست بصورة مباشرة على المسار السياسي.
ويجعل ذلك من إرسال قوات سورية إلى اليمن، إن حدث، أبعد من أن يكون مجرّد مساعدة محدودة يمكن ضبط نتائجها أو الانسحاب منها بسهولة.
الأخبار



