اقتصاد

عودة الإقراض في سورية.. 10 شروط لإنعاش المصارف وتحريك الاقتصاد

لا يزال استئناف الإقراض المصرفي في سورية يواجه عقبات متعددة، رغم التصريحات المتكررة بشأن تحديث القطاع المالي وتطوير خدماته.
ويؤخر هذا الواقع حصول الأفراد والشركات على القروض والتسهيلات التي يحتاجون إليها، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى تمويل الإنتاج والاستثمار وخلق فرص العمل.
وتنعكس محدودية التمويل المصرفي على مختلف القطاعات الاقتصادية، من الصناعة والزراعة إلى التجارة والخدمات، إذ يصعب على المشروعات توسيع نشاطها أو تحديث معداتها من دون مصادر تمويل مناسبة.
كما أن استمرار ضعف الثقة بالمصارف يحد من عودة الأموال المكتنزة إلى الدورة الاقتصادية.
فما الذي يمنع المصارف السورية من استئناف الإقراض؟ وما الشروط اللازمة لإعادة دورها في تمويل الاقتصاد؟
ثلاث حلقات تعرقل الإقراض
يرى الخبير والمحلل الاقتصادي والمالي الدكتور محمود عبد الكريم أن تعثر الإقراض لا يعود إلى عامل واحد، بل إلى تداخل ثلاث مشكلات رئيسية: ضعف الثقة بالودائع، ومحدودية رؤوس أموال المصارف مقارنة بحجم الاقتصاد، وصعوبة تقييم الجدارة الائتمانية للمقترضين.
ويوضح، في حديثه إلى «المدن»، أن نسبة الائتمان المصرفي إلى الناتج المحلي الإجمالي كانت تتجاوز 23% قبل عام 2011، بينما تراجعت إلى ما يزيد قليلاً على 4% وفق الأرقام التي يستند إليها. ويعكس هذا الانخفاض تقلص قدرة الجهاز المصرفي على تمويل النشاط الاقتصادي.
ويشير عبد الكريم إلى ضرورة التمييز بين الإصلاحات التي تهيئ القطاع المصرفي للعمل وبين عودة الإقراض الفعلي. فاستعادة قنوات التعامل المالي الدولية وتحديث الأنظمة المصرفية خطوات مهمة، لكنها لا تعني بالضرورة وصول التمويل إلى المصانع والمزارع والمشروعات التي تحتاج إليه.
كما أن التسهيلات المصرفية لا تقتصر على القروض التقليدية، بل تشمل تمويل رأس المال العامل، والسحب على المكشوف، والاعتمادات المستندية، والكفالات المصرفية، وتمويل التجارة.
وبحسب الخبير، فإن المعيار الحقيقي لنجاح الإصلاح المصرفي هو قدرة المصارف على تحويل الودائع إلى تمويل منتج، مع الحفاظ على استقرارها المالي وإدارة المخاطر.
أزمة ثقة وسيولة خارج الجهاز المصرفي
من جهته، يرى الخبير الاقتصادي والمصرفي الدكتور إبراهيم نافع قوشجي أن الجهاز المصرفي السوري عانى تاريخياً من محدودية دوره في تمويل الاستثمار، بالتزامن مع ضعف فاعلية أدوات السياسة النقدية وتراكم الأزمات الاقتصادية.
ويشير إلى أن تراجع الثقة دفع جزءاً من الأموال إلى الخروج من المصارف أو الاحتفاظ بها نقداً خارج الجهاز المصرفي، ما أضعف قدرة البنوك على أداء دورها في تمويل النشاط الاقتصادي.
ويؤدي استمرار تأخر القروض والتسهيلات إلى حرمان المشروعات الصناعية والزراعية والخدمية من التمويل اللازم لتوسيع الإنتاج، كما يعزز الميل إلى اكتناز الأموال ويحد من حركة الاستثمار.
ومع ضعف التمويل وتراجع القدرة على زيادة الإنتاج، تتقلص فرص العمل ويتراجع المعروض من بعض السلع، الأمر الذي قد يضيف ضغوطاً على الأسعار ويزيد الأعباء المعيشية.
ويحذر قوشجي من أن اتساع الفجوة بين التصريحات المتعلقة بتطوير الخدمات المصرفية والنتائج الملموسة على أرض الواقع قد يضعف ثقة المواطنين والمستثمرين بالقطاع.
رأس المال أحد أبرز العوائق
يضع عبد الكريم محدودية رأس المال في مقدمة التحديات التي تواجه المصارف السورية.
ويشير إلى أن إجمالي حقوق ملكية المصارف الخاصة بلغ، وفق الأرقام التي أوردها، نحو 8.7 تريليون ليرة قديمة بنهاية عام 2025، بما يعادل قرابة 795 مليون دولار.
كما يلفت إلى أن الحد الأدنى القانوني لرأس المال فقد معظم قيمته الحقيقية نتيجة تغيرات سعر الصرف، ما يجعل تعزيز القاعدة الرأسمالية للمصارف ضرورة لرفع قدرتها على تمويل المشروعات وتحمل المخاطر.
ويفسر الخبير ارتفاع بعض نسب كفاية رأس المال، رغم ضعف الإقراض، بأن انخفاض حجم التسهيلات المقدمة يقلل الأصول المرجحة بالمخاطر، وبالتالي لا تعكس هذه النسب وحدها قوة المصارف أو قدرتها الفعلية على توسيع التمويل.
ويضيف أن جزءاً من السيولة المصرفية موجود خارج البلاد، في حين تواجه المصارف أعباء مرتبطة بالودائع السورية المجمدة في لبنان، إلى جانب ارتفاع القروض المتعثرة لدى المصارف العامة.
وتؤدي هذه العوامل مجتمعة إلى تقييد الموارد المتاحة للإقراض الجديد، وتجعل إعادة الرسملة ومعالجة الديون المتعثرة من الخطوات الضرورية لاستعادة النشاط المصرفي.
الودائع المقيدة تزيد صعوبة التعافي
تمثل الودائع المصدر الأساسي لتمويل القروض، لكن قدرة المصارف على الإقراض ترتبط بمدى استقرار هذه الودائع وإمكانية الاحتفاظ بها على المدى الطويل.
ويشير عبد الكريم إلى أن القيود المفروضة على السحب من بعض الودائع، والتمييز بين الأموال القديمة والجديدة، أسهما في إضعاف الثقة بالقطاع المصرفي.
كما أن تداول الأرصدة المقيدة بخصومات في السوق يعكس حجم المشكلة التي يواجهها المودعون.
ويضاف إلى ذلك اعتماد قنوات دفع إلكترونية خارج الجهاز المصرفي التقليدي في بعض التعاملات، ما يجعل توسيع الرقابة المصرفية والربط بين أنظمة الدفع والمصارف جزءاً من عملية الإصلاح.
ولا يمكن للمصرف، في ظل عدم اليقين بشأن استقرار الودائع، أن يتوسع بسهولة في منح قروض طويلة الأجل، خصوصاً أن جزءاً من الأموال المودعة يجب أن يبقى متاحاً لتلبية طلبات السحب والالتزامات الأخرى.
المقترضون أيضاً أمام تحديات
لا تتعلق أزمة الإقراض بالمصارف وحدها، إذ يواجه المقترضون بدورهم صعوبات في الحصول على التمويل.
ويوضح عبد الكريم أن كثيراً من المشروعات الصغيرة والمتوسطة لا تمتلك حسابات مالية مدققة أو سجلات ائتمانية واضحة أو ضمانات مقبولة، ما يصعّب على المصارف تقدير قدرتها على السداد.
كما يؤدي التضخم وتقلب سعر الصرف وعدم استقرار أسعار العقارات إلى زيادة صعوبة تحديد معدلات الفائدة المناسبة وتقييم الضمانات، ولا سيما في القروض طويلة الأجل.
وتبرز هنا الحاجة إلى تطوير أدوات تقييم تعتمد على التدفقات النقدية الفعلية للمشروعات ومبيعاتها وفواتيرها، بدلاً من حصر منح القروض في امتلاك عقارات يمكن تقديمها ضماناً.
كذلك لا تزال العلاقات المصرفية الدولية تواجه تحديات مرتبطة بمتطلبات الامتثال ومكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، ما يجعل استعادة الثقة الخارجية وتوسيع العلاقات مع المصارف المراسلة جزءاً من مسار التعافي.
10 شروط لعودة الإقراض في سوريا
يطرح عبد الكريم مجموعة من الإجراءات المترابطة التي يمكن أن تساعد على استعادة النشاط الائتماني، مع التأكيد على أن نجاحها يتطلب تطبيقاً متدرجاً ومتوازناً.
1. استعادة الثقة بالودائع: من خلال إعلان جدول زمني واضح لمعالجة قيود السحب، وتحديد آليات عادلة للتعامل مع الودائع القديمة والجديدة، وتوفير ضمانات واضحة لحقوق المودعين.
2. إعادة رسملة المصارف: عبر تقييم أوضاعها المالية أولاً، ثم تعزيز رؤوس أموالها بما يتناسب مع حجم المخاطر والاحتياجات التمويلية للاقتصاد.
3. معالجة القروض المتعثرة: من خلال تسوية الديون القديمة القابلة للمعالجة، وتحسين إدارة الأصول المتعثرة، حتى لا تبقى عبئاً على ميزانيات المصارف وقدرتها على الإقراض.
4. إنشاء قاعدة معلومات ائتمانية موثوقة: تتيح للمصارف الاطلاع على السجل الائتماني للمقترضين وتقييم التزاماتهم وقدرتهم على السداد بصورة أدق.
5. تطوير نظام الضمانات: بحيث لا يبقى العقار الضمان الأساسي للحصول على القرض، مع إتاحة بدائل تتناسب مع طبيعة الأصول التي تمتلكها المشروعات.
6. تأسيس صناديق لضمان القروض: تشارك في تغطية جزء من مخاطر التعثر، بما يشجع المصارف على تمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة التي تفتقر إلى ضمانات كافية.
7. اعتماد هيكل فائدة متوازن: يراعي التضخم وتكلفة الأموال والمخاطر، مع تجنب معدلات تجعل الاقتراض الإنتاجي غير مجدٍ أو تزيد أعباء المقترضين بصورة تعرقل السداد.
8. تطوير أدوات تقييم المشروعات الصغيرة والمتوسطة: من خلال الاعتماد على المبيعات والتدفقات النقدية والفواتير والسجلات الضريبية والبيانات الرقمية، بدلاً من اشتراط ضمانات عقارية مرتفعة القيمة.
9. تنشيط تمويل التجارة: عبر إعادة تفعيل الاعتمادات المستندية والكفالات وتمويل استيراد المواد الأولية وتصدير المنتجات، بما يساعد الشركات على استعادة نشاطها وتوسيع أسواقها.
10. تعزيز الحوكمة والرقابة المصرفية: من خلال ترسيخ استقلالية القرار الائتماني المهني، وتطوير أنظمة الرقابة وإدارة المخاطر، وتحديث التشريعات الناظمة للمصرف المركزي والمصارف، مع إخضاع قرارات الإقراض لمعايير واضحة وشفافة.
إصلاح شامل لا مجرد زيادة القروض
يرى قوشجي أن إنعاش القطاع المصرفي يحتاج أيضاً إلى تفعيل سوق دمشق للأوراق المالية، وتشجيع تأسيس الشركات المساهمة وإدراج الشركات المؤهلة، بما يتيح جذب المدخرات ورؤوس الأموال وتوجيهها نحو المشروعات الإنتاجية.
كما يدعو إلى تطوير أدوات السياسة النقدية، وتحديث العمليات المصرفية وأتمتة الخدمات، وإعادة بناء القواعد الرأسمالية للمصارف بما يعزز قدرتها على تقديم التمويل.
في المقابل، يشدد عبد الكريم على أن الحل لا يكمن في زيادة حجم القروض بأي ثمن، بل في منح قروض جيدة تستند إلى دراسة حقيقية للمخاطر وقدرة المقترض على السداد.
فالتوسع غير المدروس قد يؤدي إلى تراكم ديون متعثرة جديدة، ويضاعف أزمات المصارف بدلاً من معالجتها.
وتحتاج سورية، وفق هذه الرؤية، إلى مسار متكامل ينمي الودائع ورأس المال والسيولة والائتمان بالتوازي، ويوجه التمويل نحو الأنشطة القادرة على زيادة الإنتاج والتوظيف والتصدير، بعيداً عن المضاربة والاستهلاك قصير الأجل.
وتبقى عودة الإقراض مرتبطة بقدرة القطاع المصرفي على استعادة ثقة المودعين، ومعالجة اختلالاته المالية، وتطوير أدوات تقييم المقترضين، وتوفير بيئة قانونية وتنظيمية مستقرة. فالتعافي المصرفي لا يُقاس بعدد القرارات والخدمات الجديدة فحسب، بل بمدى وصول التمويل إلى الأفراد والمشروعات وقدرته على تحريك عجلة الاقتصاد السوري.
سيرياستيبس

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى