صحة و جمال

مؤشرات في العين قد تساعد على رصد مخاطر أمراض القلب

قد لا تقتصر فائدة تصوير العين مستقبلاً على اكتشاف أمراض الإبصار، إذ تشير أبحاث حديثة إلى أن صور الشبكية يمكن أن تحمل مؤشرات مرتبطة بصحة القلب والأوعية الدموية، ومن بينها احتمالية الإصابة بالرجفان الأذيني.
وأوضح مقال نشره موقع «كونفيرزيشن» للباحثة باربرا بيرسيونيك، أستاذة صحة العين والتقنيات الحديثة لتحسين الإبصار في جامعة أنجليا روسكين، أن تطور تقنيات تصوير العين أتاح للباحثين الحصول على معلومات تتجاوز تقييم صحة البصر، لتشمل مؤشرات قد ترتبط بأعضاء أخرى في الجسم.
من إقليدس إلى التصوير الحديث
قبل أكثر من ألفي عام، بدأ عالم الرياضيات اليوناني إقليدس أطروحته «البصريات» بفكرة تبدو غريبة وفق المفهوم العلمي الحالي، وهي أن الأشعة البصرية تنطلق من العين باتجاه الأجسام التي نراها.
لكن العلم الحديث أثبت أن عملية الإبصار تسير في الاتجاه المعاكس.
ومع تطور تقنيات التصوير، اكتسبت الفكرة القديمة بُعداً جديداً؛ فالضوء الذي يصل إلى العين وينعكس عن الشبكية يمكن أن يحمل معلومات عن الحالة الصحية لأجزاء أخرى من الجسم.
ومن أبرز التقنيات المستخدمة لهذا الغرض التصوير المقطعي بالترابط البصري (OCT)، الذي يعتمد على الضوء لإنشاء صور مقطعية عالية الدقة للهياكل الموجودة في الجزء الخلفي من العين. وقد أحدث هذا التصوير تحولاً مهماً في تشخيص أمراض الشبكية ومراقبتها، بعدما أصبح بالإمكان رؤية طبقاتها المختلفة بتفصيل كبير.
ويبحث العلماء الآن في إمكانية الاستفادة من هذه الصور في رصد مؤشرات مرتبطة بأمراض القلب والأوعية الدموية، إضافة إلى بعض الاضطرابات العصبية.
ماذا يمكن أن تكشف الشبكية عن القلب؟
تحتوي الشبكية على طبقات متخصصة من الخلايا، بعضها يستقبل الضوء ويحوّله إلى إشارات كهربائية، فيما تنقل خلايا أخرى هذه الإشارات عبر العصب البصري إلى الدماغ.
وتحتاج هذه العمليات إلى كميات كبيرة من الأكسجين والطاقة، لذلك تعتمد الشبكية على شبكة غنية من الأوعية الدموية. وبما أن هذه الأوعية جزء من الدورة الدموية العامة، فإن بعض التغيرات التي تظهر فيها قد تعكس عمليات تحدث في أماكن أخرى من الجسم.
ومن هنا ازداد اهتمام الباحثين بتصوير الشبكية باعتباره أداة محتملة لدراسة أمراض القلب والأوعية الدموية، ومن بينها الرجفان الأذيني، وهو أحد اضطرابات نظم القلب الشائعة.
وحلل الباحثون صوراً للشبكية إلى جانب سجلات صحية من مجموعتي بيانات كبيرتين، هما «AlzEye»، التي تربط فحوص العين في مستشفى مورفيلدز للعيون بالسجلات الطبية، و«البنك الحيوي في المملكة المتحدة» (UK Biobank).
وفي مجموعة «AlzEye»، التي شملت 50,651 شخصاً، ظهرت اختلافات في عدد من طبقات الشبكية وقياسات الأوعية الدموية لدى المصابين بالرجفان الأذيني مقارنة بغير المصابين.
وأظهرت بيانات البنك الحيوي البريطاني أيضاً أن المصابين بالرجفان الأذيني كانت لديهم سماكة أقل في طبقة الخلايا العقدية والطبقة الضفائرية الداخلية في منطقة البقعة، وهي منطقة من الشبكية الداخلية تحتوي على خلايا تشارك في نقل المعلومات البصرية إلى الدماغ.
هل يمكن التنبؤ بالرجفان الأذيني؟
انتقل الباحثون بعد ذلك إلى تحليل بيانات 39,013 مشاركاً لم يكن لديهم تشخيص مسجل للرجفان الأذيني عند التقاط صور الشبكية.
وخلال فترة متابعة بلغ متوسطها 10.3 سنوات، شُخّص 838 شخصاً لاحقاً بالرجفان الأذيني، وكان التشخيص في المتوسط بعد نحو أربع سنوات من تصوير الشبكية.
وأظهرت النتائج أن الأشخاص الذين كانت لديهم سماكة أقل في طبقة الخلايا العقدية والطبقة الضفائرية الداخلية كانوا أكثر عرضة للإصابة بالرجفان الأذيني لاحقاً.
وبعد أخذ عوامل مثل العمر والجنس والعرق وارتفاع ضغط الدم والسكري والتدخين واستهلاك الكحول في الاعتبار، وجد الباحثون أن كل انخفاض بمقدار انحراف معياري واحد في سماكة هذه الطبقة ارتبط بزيادة نسبتها 27% في خطر الإصابة بالرجفان الأذيني.
لكن هذه النتيجة لا تعني أن صورة الشبكية تستطيع بمفردها تشخيص المرض أو التنبؤ بشكل مؤكد بمن سيصاب به.
لماذا يصعب تشخيص الرجفان الأذيني؟
يحدث الرجفان الأذيني عندما تضطرب الإشارات الكهربائية في الحجرتين العلويتين للقلب، ما يؤدي إلى عدم انتظام ضرباته. وقد يسبب خفقان القلب وضيق التنفس والتعب والدوار، بينما قد لا يشعر بعض المصابين بأي أعراض.
وتكمن خطورة الحالة في ارتباطها بمضاعفات مثل السكتة الدماغية وفشل القلب. كما أن اكتشافها قد يكون صعباً لأن اضطراب نظم القلب يمكن أن يظهر بصورة متقطعة، وبالتالي قد لا يكون موجوداً أثناء الفحص الطبي.
وهنا تبرز أهمية النتائج المتعلقة بالشبكية، إذ قد يوفر فحص العين مؤشرات إضافية تدفع الطبيب إلى إجراء تقييم أكثر تفصيلاً لصحة القلب والأوعية الدموية.
مع ذلك، لا تزال هناك مسافة كبيرة بين اكتشاف علاقة إحصائية وبين تطوير اختبار طبي يمكن الاعتماد عليه في التشخيص أو التنبؤ.
فالدراسة قائمة على الملاحظة، ولذلك لا تستطيع إثبات أن ترقق الشبكية يؤدي إلى الرجفان الأذيني، أو تحديد السبب وراء العلاقة التي ظهرت بينهما. ومن الممكن أن يكون الرجفان نفسه مرتبطاً ببعض التغيرات في الشبكية، أو أن يكون كلا الأمرين نتيجة عوامل صحية مشتركة.
كما أن المشاركين لم يخضعوا لمراقبة مستمرة لنظم القلب، إذ جرى التعرف على الحالات الجديدة من خلال ظهور تشخيص الرجفان الأذيني في السجلات الطبية. وهذا يعني أن بعض الأشخاص ربما كانوا يعانون من شكل غير مشخص من المرض قبل ظهور التشخيص رسمياً.
هل تصبح العين نافذة على صحة القلب؟
تندرج هذه النتائج ضمن مجال بحثي يعرف باسم «علم بيانات العين» (Oculomics)، وهو مجال يدرس إمكانية استخراج مؤشرات صحية من صور العين تكشف معلومات عن أعضاء وأمراض خارج نطاق الجهاز البصري.
وأظهرت دراسات سابقة وجود روابط بين خصائص الأوعية الدموية في الشبكية وبعض أمراض القلب والأوعية الدموية وعوامل الخطورة المرتبطة بها. كما ساعد تطور الذكاء الاصطناعي الباحثين على تحليل صور الشبكية واستخراج أنماط أكثر تعقيداً قد ترتبط بالصحة العامة.
وتكمن جاذبية هذه الفكرة في أن تصوير الشبكية غير جراحي ومستخدم بالفعل على نطاق واسع في مراكز رعاية العيون. وإذا أثبتت الدراسات المستقبلية أن بعض خصائص الشبكية قادرة على تحديد الأشخاص الأكثر عرضة لأمراض القلب بدرجة كافية من الدقة، فقد تساعد النتائج الأطباء في اختيار المرضى الذين يحتاجون إلى فحوص إضافية.
لكن تصوير الشبكية لا يستطيع حالياً تشخيص الرجفان الأذيني. ويحتاج تشخيص هذا الاضطراب إلى رصد دليل على عدم انتظام ضربات القلب، عادة باستخدام تخطيط كهربائية القلب (ECG) أو وسائل أخرى لمراقبة نظم القلب.
ولا تزال دقة المؤشرات المستخرجة من صور الشبكية وخصوصيتها وقابليتها للاستخدام السريري موضع بحث. لذلك يتركز العمل المقبل على معرفة ما إذا كانت هذه الصور تضيف بالفعل معلومات مفيدة إلى وسائل التشخيص الحالية، وما إذا كان الاعتماد عليها في اتخاذ قرارات طبية يمكن أن يحسن صحة المرضى.
وفي الوقت الحالي، تقدم هذه الأبحاث دليلاً إضافياً على أن العين قد تحمل معلومات تتجاوز صحة البصر، وربما تصبح صور الشبكية مستقبلاً إحدى الأدوات المساعدة في تقييم صحة القلب.
عربي 21

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى