السوريون تحت ضغط التقشف وارتفاع تكاليف المعيشة

في الوقت الذي تتجه فيه الحكومة السورية إلى خفض الإنفاق وترشيد المصروفات العامة، يجد المواطن نفسه أمام ضغوط معيشية متزايدة، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية واستمرار اتساع الفجوة بين الدخول وتكاليف الحياة اليومية.
وكانت الحكومة قد أعلنت إجراءات لتقليص النفقات، من بينها خفض فاتورة استهلاك البنزين للسيارات والآليات الحكومية بنسبة 30 في المئة، وتعليق المشاريع الاستثمارية غير العاجلة، إلى جانب تجميد شراء الأثاث والسيارات وغيرها من النفقات، بهدف تعزيز الانضباط المالي والحفاظ على توازن الموازنة.
لكن هذه الإجراءات تأتي في وقت يعاني فيه كثير من السوريين صعوبة في تأمين احتياجاتهم الأساسية.
وخلال سبتمبر/أيلول الماضي، ارتفعت أسعار بعض السلع بنسب تراوحت بين 20 و47 في المئة، متأثرة بتراجع سعر صرف الليرة وارتفاع تكاليف الاستيراد وزيادة أسعار المحروقات.
وانعكس ذلك بصورة واضحة على الأسواق، إذ ارتفع سعر الأرز، وهو من المواد الغذائية الأساسية، بأكثر من 46 في المئة، فيما تجاوز ارتفاع سعر السكر 47 في المئة، وسجل الزيت زيادة بلغت 29.2 في المئة.
كما ارتفعت أسعار العديد من السلع الأساسية، بالتزامن مع زيادة أجور النقل التي انعكست بدورها على أسعار المنتجات.
الأجور لا تواكب كلفة المعيشة
بعد نحو عام ونصف على بدء رفع العقوبات الاقتصادية المفروضة على دمشق، ونحو عامين على سقوط النظام السابق والتحول نحو اقتصاد السوق، تواجه سوريا تحديات معيشية واقتصادية متشابكة، في ظل ارتفاع معدلات الفقر والبطالة وتراجع مستوى الخدمات.
وفي وقت بات فيه الدعم الحكومي محدوداً، أصبحت الأسر تتحمل جزءاً متزايداً من تكاليف الخدمات والاحتياجات الأساسية، خصوصاً بعد ارتفاع أسعار الكهرباء والمحروقات.
وبحسب مؤشر “قاسيون” المحلي لقياس كلفة المعيشة، فإن الرواتب لا تغطي سوى نحو 9.5 في المئة من متوسط احتياجات الأسرة السورية.
ومع نهاية الأشهر التسعة الأولى من عام 2026، وصلت كلفة معيشة أسرة مكونة من خمسة أفراد إلى نحو 942 دولاراً في المتوسط، فيما قدر الحد الأدنى للكلفة بنحو 580 دولاراً.
ويعكس ذلك فجوة كبيرة بين الدخل والإنفاق، إذ يقدر الحد الأدنى الرسمي للأجور بنحو 90 دولاراً، وهو مبلغ لا يكفي، وفق المؤشر، لتغطية سوى نحو ثلاثة أيام من احتياجات الأسرة وفق متوسط الاستهلاك، وأقل من خمسة أيام عند احتساب الحد الأدنى.
وتستحوذ المواد الغذائية على نحو 60 في المئة من إجمالي كلفة المعيشة، بينما تذهب النسبة المتبقية إلى السكن والمواصلات والتعليم والرعاية الصحية والملابس والأدوات المنزلية والاتصالات وغيرها من الاحتياجات الأساسية.
موظفون يبحثون عن مصادر دخل إضافية
توضح أوضاع بعض الأسر حجم الضغوط التي يفرضها ارتفاع الأسعار.
ويقول عزالدين، وهو موظف حكومي من منطقة الشاغور في دمشق، إن راتبه لم يعد يكفي أكثر من أسبوع، رغم محاولاته تقليص النفقات إلى أدنى مستوى ممكن.
ويشير إلى أنه ينتظر الراتب لتسديد فاتورة الكهرباء،
التي استحوذت، بحسب قوله، على نحو نصف دخله، بينما يعتمد هو وزوجته على مصادر دخل إضافية لتغطية بقية احتياجات الأسرة. فزوجته تعمل في صناعة المونة وبيعها خارج أوقات دوامها، فيما يعمل هو بدوام جزئي في شركة للحراسة.
ويقول إن الأسرة أصبحت تحسب نفقاتها يوماً بيوم، بعدما باتت أسعار المواد الأساسية تتجاوز قدرتها الشرائية. ويضرب مثالاً بارتفاع أسعار الفواكه المحلية، مشيراً إلى أن سعر كيلوغرام التين وصل إلى ما بين 40 و50 ليرة جديدة، أي نحو 4 دولارات، وهو سعر يعتبره مرتفعاً بالنسبة إلى الموظف.
كما يخشى أن يكون الشتاء المقبل أكثر صعوبة، خصوصاً مع ارتفاع أسعار المازوت، الذي أصبح تأمين كمياته المطلوبة يشكل عبئاً كبيراً على الأسر محدودة الدخل.
وتشير بيانات كلفة المعيشة إلى أن متوسط الأجور الحكومية، البالغ نحو 120 دولاراً وفق تقديرات وردت في التقرير، لا يغطي سوى نسبة محدودة من الاحتياجات الأساسية للأسرة.
كما ارتفع متوسط كلفة معيشة الأسرة السورية بنحو 2.5 في المئة خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة، وفق مؤشر “قاسيون”.
ضغوط معيشية تهدد الأسر الأكثر فقراً
ترى المتخصصة في اقتصاد الأسرة سهام ميهوب أن دخل الأسرة السورية يواجه مشكلة حقيقية، مشيرة إلى أن كثيراً من الأسر تعيش حالة من الحرمان قد لا تظهر بشكل مباشر، لكنها قد تنعكس لاحقاً على نوعية الغذاء والصحة، ولا سيما لدى الأطفال.
وتلفت ميهوب إلى أن بعض اليافعين والأطفال يتركون الدراسة ويتجهون إلى سوق العمل للمساهمة في إعالة أسرهم، في ظروف قد تكون غير صحية أو قانونية.
وتوضح أن هناك أسرًا تعمل بكامل أفرادها من أجل تأمين الإيجار والطعام فقط، معتبرة أن أسرة مكونة من خمسة أشخاص تحتاج إلى نحو 1000 دولار شهرياً لتأمين هذين الاحتياجين، بينما تحتاج إلى نحو 2000 دولار لتعيش بمستوى يوفر لها قدراً من الرفاه.
وبحسب ميهوب، فإن الزيادات الأخيرة على الرواتب والأجور لم تشمل شرائح واسعة من العاملين، خصوصاً العاملين في القطاع غير المنظم والعمال الموسميين، فيما لا يزال من غير الواضح مدى قدرة القطاع الخاص على زيادة الأجور في ظل ارتفاع تكاليف الإنتاج.
وتحذر من أن استمرار الضغوط الاقتصادية قد ينعكس على المجتمع بأشكال مختلفة، داعية إلى إطلاق برامج وطنية لدعم الأسر الأكثر احتياجاً، ولا سيما الأسر معدومة الدخل والمتقاعدين، بالتوازي مع تحريك النشاط الاقتصادي وتسهيل الاستثمارات لتوفير فرص عمل جديدة.
مشاريع صغيرة لمواجهة اتساع الفقر
وفق بيانات لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي وردت في تقرير بعنوان “أثر الصراع في سورية” ونشر في فبراير/شباط 2025، استناداً إلى بيانات عام 2024، ارتفعت نسبة السكان الذين يعيشون تحت خط الفقر من نحو 33 في المئة قبل الحرب إلى 90 في المئة، فيما بلغت نسبة الفقر المدقع 66 في المئة.
وجاءت هذه الأرقام قبل الزيادات المتتالية في أسعار المحروقات، التي انعكست على تكاليف مختلف السلع والخدمات، بما فيها الخبز الذي شهد ارتفاعاً في السعر وتراجعاً في الوزن.
ويحذر الاقتصادي عبدالحميد سليمان من أن ارتفاع أسعار المحروقات، بالتزامن مع تراجع سعر الصرف وتأخر تدفق الاستثمارات وتأثر التحويلات، قد يزيد من الضغوط على مستويات المعيشة ويرفع معدلات الفقر والبطالة.
ويشير سليمان إلى أن الفجوة بين الأجور وتكاليف المعيشة أصبحت من أبرز التحديات الاقتصادية، مع تراجع القدرة الشرائية وارتفاع الأسعار بصورة متواصلة، الأمر الذي انعكس على أنماط إنفاق الأسر وقدرتها على تلبية احتياجاتها.
كما يتحدث عن تقلص حجم الطبقة الوسطى واتساع شريحة الأسر التي تعتمد على المساعدات، بالتزامن مع اضطرار عائلات إلى تقليص إنفاقها على الغذاء والاحتياجات الأساسية.
ويرى أن دعم المشاريع الصغيرة والمتناهية الصغر يمكن أن يشكل أحد المسارات لخلق فرص عمل ودخل جديد، إلى جانب تسهيل التمويل وتبسيط الإجراءات أمام المستثمرين، وتوجيه جزء من المساعدات الدولية نحو تحسين البنية التحتية، ولا سيما قطاعات المياه والكهرباء والصرف الصحي.
وبحسب هذا الطرح، فإن توفير بيئة اقتصادية وخدمية مستقرة قد يساعد على إطلاق مشاريع جديدة وتوسيع فرص العمل، بما يسهم تدريجياً في تحسين دخل الأسر وتنشيط الاقتصاد المحلي.
وفي انتظار تحسن الظروف الاقتصادية، يدعو سليمان إلى ربط الأجور بمعدلات التضخم الفعلية، وإعادة توجيه الدعم إلى الفئات الأكثر احتياجاً، وضبط الأسواق وسعر الصرف، بحيث لا تؤدي الزيادات في الرواتب إلى فقدان قيمتها سريعاً بفعل ارتفاع الأسعار.
اندبندت عربية



