خبراء “FATF” في دمشق.. ماذا تحتاج سوريا للخروج من القائمة الرمادية؟

في خطوة هي الأولى من نوعها منذ إدراج البلاد على القائمة الرمادية عام 2010، باشر خبراء مجموعة العمل المالي (FATF) زيارة ميدانية في دمشق لمراجعة إجراءات مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب. وتسعى السلطات السورية من خلال هذا التفتيش إلى تأكيد امتثالها الكامل للشروط الدولية، كخطوة حاسمة لإزالة اسمها من لائحة المراقبة المتزايدة. وتعرف (FATF) بأنها واجهة حكومية دولية أُسست عام 1989 لوضع معايير حماية القطاع المصرفي العالمي، وتضم قائمتها الرمادية البلدان التي تعاني من ثغرات رقابية لكنها أبدت التزاماً سياسياً بتنفيذ خطة عمل مشتركة مع الهيئة.
عقبة أمنية عمرها أكثر من عقد
تعود جذور الأزمة إلى شباط 2010، حين قدمت الحكومة السورية التزاماً رفيع المستوى للعمل مع “FATF” ومجموعة العمل المالي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا “MENAFATF”. وبحلول حزيران 2014، أكدت المجموعة أن سوريا استكملت الجانب الفني والتشريعي من خطة العمل بشكل جوهري، بما يشمل إقرار قوانين تجريم تمويل الإرهاب وآليات تجميد الأصول.
غير أن إغلاق الملف ظل معلقاً لسنوات؛ إذ حالت الظروف الأمنية دون تنظيم زيارة ميدانية للخبراء للتأكد من الممارسة التشغيلية للإصلاحات وقدرة المؤسسات على استدامتها. وجددت المجموعة في بيانها الصادر في حزيران 2026 التزامها بإجراء هذه الزيارة الميدانية للتحقق المباشر، تمهيداً لاتخاذ قرار الإخراج من المراقبة العلنية في اجتماعاتها العامة اللاحقة.
مساران متوازيان لإعادة التقييم المالي
تتزامن زيارة وفد “FATF” مع استعدادات لعملية “تقييم متبادل” شاملة للمنظومة المالية الوطنية. وكانت دمشق قد استقبلت في 23 تموز الماضي وفداً من “MENAFATF” برئاسة حامد سيف الزعابي، والتقى بحاكم مصرف سوريا المركزي صفوت رسلان وعدد من الوزراء وممثلي أجهزة إنفاذ القانون والقضاء ووحدة الاستخبارات المالية، بهدف رفع كفاءة الجهوزية للتقييم الشامل.
وبحسب المعايير الدولية، تخوض سوريا حالياً مسارين متكاملين:
المسار الأول: حسم الملف القديم لدى “FATF” والخروج المباشر من القائمة الرمادية.
المسار الثاني: الخضوع لاختبار التقييم المتبادل الجديد لمراجعة المنظومة المالية وفق المعايير الدولية الحديثة.
من الامتثال التشريعي إلى الفعالية القضائية
تعتمد منهجية التقييم الحديثة على شقين رئيسيين: “الامتثال الفني” الذي يدرس وجود التشريعات، و”الفعالية” التي تقيس النتائج الملموسة في الميدان. وتشير القراءة التحليلية لتجارب المنطقة، مثل التجربة التركية، إلى أن المعيار الفعلي يكمن في عدد التحقيقات الفعالة، وحجم الأصول المصادرة، وقدرة النظام على تحويل التحليلات المالية إلى أحكام قضائية ناجزة تجنباً لما يسمى “الاختناق القضائي”.
وفي هذا السياق، يقدم إجراء الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش الصادر في 29 أيلول الماضي—والقاضي بفرض حجز احتياطي بقيمة 104 ملايين دولار على أموال شركات متعاقدة بقطاع النفط لضمان حقوق الدولة—نموذجاً عملياً لكيفية تعقب الأموال وتجميد الأصول أثناء التحقيق، بمعزل عن ارتباط القضية بشكل مباشر بزيارة الوفد الميداني.
تحديات المستفيد الحقيقي والأصول الافتراضية
تتعامل السلطات الرقابية مع حزمة من الملفات المعقدة التي فرضتها سنوات العزلة الاقتصادية وتوسع التعاملات النقدية غير الرسمية، وأبرز هذه التحديات:
تحديد المستفيد الحقيقي (UBO): بناء سجل مركزي وديناميكي يمنع التستر خلف الشركات الصورية أو الواجهات التجاريّة.
إدارة المخاطر الوطنية (NRA): توجيه موارد الرقابة والتحري نحو القطاعات الأكثر عرضة للتهريب وحركة الأموال عبر الحدود.
تنظيم الأصول الافتراضية: وضع إطار رقابي قائم على المخاطر لتنظيم العملات المشفرة ومزودي خدماتها بدلاً من الاكتفاء بالحظر المطلق، اتساقاً مع التوصية رقم 15 للمجموعة.
ولا يعني الخروج من القائمة الرمادية تدفقاً تلقائياً لرؤوس الأموال أو عودة فورية للعلاقات المصرفية المباشرة مع البنوك المراسلِة، إلا أنه يزيل عنصراً جوهرياً من عناصر المخاطر الدولية، وينقل سوريا إلى مرحلة المتابعة الاعتيادية، مما يدعم جهود الحكومة في إعادة بناء الثقة بنظامها المالي والاقتصادي.
تلفزيون سوريا



