مُقترح قانون لإلغاء تجريم الجماعة: «الإخوان» ترفض حلّ نفسها

في ظلّ جدل مستمرّ حول دور جماعة «الإخوان المسلمين» في «سوريا الجديدة»، زخّمته دعوات إلى حلّ الجماعة التي شكّلت على مدار خمسة عقود الطرف الإسلامي الأبرز المعارض للنظام السابق، أصدرت الجماعة بياناً حمل جملة من الخطوط العريضة حول توجّهاتها المستقبلية. وأعلنت «الإخوان»، في البيان الذي قالت إنه صيغ بعد عقد «الدورة العادية الخامسة» لـ«مجلس الشورى»، رفضَها المطالب بحلّها، بما فيها الدعوة التي وجّهها إليها أحمد موفق زيدان، مستشار الرئيس الانتقالي أحمد الشرع، للانخراط في الحياة السياسية باعتبارها «قوة سياسية وطنية»، والتي تقاطعت مع تصريحات سابقة للشرع أكّد فيها أنه لا ينتمي إلى «الإخوان»، ولا يعدّ نفسه امتداداً للحركات الإسلامية، معتبراً أن الأيديولوجيات الإسلامية والقومية فشلت في المنطقة.
وإذ يبدو رفض الجماعة حلّ نفسها مُندرجاً في إطار محاولة «التفاوض» مع السلطة الجديدة على مساحة شراكة، حمل البيان، الذي صدر أول من أمس، اصطفافاً واضحاً إلى جانب المحور الإقليمي والدولي الداعم للشرع؛ وهو استبطن أيضاً محاولات لتقديم تطمينات إلى القوى الإقليمية (العربية على وجه الخصوص) التي لا تخفي قلقها من «الإخوان»، وعلى رأسها السعودية والأردن، إلى جانب تقديم الشكر إلى قطر وتركيا. وفيما أيّدت الجماعة انفتاح السلطات الانتقالية على الولايات المتحدة، وجّهت انتقاداً مباشراً إلى إيران، التي حذّرت من عودتها إلى سوريا. كذلك، استنكر البيان الانتهاكات الإسرائيلية المستمرّة في الجنوب السوري، غير أنه لم يخض أبداً في مسائل أعمق تتعلّق بالتفاوض مع إسرائيل سواء للوصول إلى اتفاقية أمنية أو اتفاقية تطبيع.
وفي مقابل تأييدها شبه الكامل للسلطة، حدّدت الجماعة مطالبها التي ترتبط مباشرة بمستقبلها؛ إذ دعت إلى إرساء «التعدّدية السياسية المنظّمة»، وضمان الحريات السياسية وتنظيم العمل الحزبي، وإعداد دستور دائم يُعرض على الاستفتاء الشعبي، إلى جانب إطلاق مسار جدّي للعدالة الانتقالية. وتبدو هذه الدعوات بمثابة المقابل الذي تنتظره «الإخوان» لقاء دعمها السلطات؛ إذ هي لا تطالب بالمشاركة في الحكم بصورة مباشرة، بل بإنشاء إطار قانوني يسمح لها بالبقاء والعمل داخل البلاد، وينقلها من جماعة محظورة تاريخياً إلى قوة سياسية مُرخّصة. ولم يَذكر البيان أيّ معلومات حول مكان انعقاد الاجتماع، كما لم يقدّم أيّ إشارات إلى عودة الجماعة إلى نشاطها داخل سوريا، غير أن صدوره بعد نحو أسبوعَين من تقديم أكثر من 40 عضواً في «مجلس الشعب» مُقترح قانون إلى رئاسة المجلس، لإلغاء القانون الرقم 49 لعام 1980 وإبطال جميع الآثار المترتّبة عليه، يثير تساؤلات عديدة حول مدى وجود ارتباط بين الحدثَين. وعلى الرغم من شحّ المعلومات المتعلّقة بهويات الأعضاء الذين تقدّموا بالمُقترح، فالأكيد أن الأخير يتضمّن، بحسب عضو المجلس كنان النحاس، إلغاء القانون المذكور بصورة نهائية، ومعالجة الأحكام الصادرة بموجبه، وردّ الاعتبار إلى ضحاياه وعائلاتهم.
والجدير ذكره، هنا، أن القانون، الذي كان أقرّه مجلس الشعب في 7 تموز 1980 وصدّق عليه الرئيس السوري الأسبق حافظ الأسد في اليوم التالي، اعتبر كلّ منتسب إلى جماعة «الإخوان المسلمين» مجرماً يُعاقَب بالإعدام، من دون اشتراط ارتكابه عملاً عنفياً أو جريمة أخرى. كما منح أعضاء الجماعة في حينه، مهلة محدودة لإعلان انسحابهم من التنظيم وتسليم أنفسهم إلى السلطات، في مقابل إعفائهم من العقوبة أو تخفيفها عنهم. وشكّل هذا القانون – الذي صدر رداً على التصعيد العسكري لجماعة «الطليعة المقاتلة» التي نفّذت عمليات قتل وتفجيرات في سوريا -، على مدى عقود لاحقة، غطاءً قانونياً لملاحقة أعضاء الجماعة والمتّهمين بالتعاطف معها، واعتقالهم ومصادرة ممتلكاتهم. وأعقب ذلك انتقال عمل أعضاء «الإخوان» إلى «المنفى»، حيث استمرّوا في مناوأة السلطات، وتحوّلوا عام 2011 إلى الجهة المعارضة الأكبر بعد استحواذهم على التشكيلات السياسية المعارضة في الخارج (المجلس الوطني، ولاحقاً الائتلاف) – وهو ما دفع بعض مراكز الأبحاث إلى إطلاق لقب «صنّاع ملوك المعارضة السورية» عليهم -.
وفي الوقت الحالي، يقود الجماعةَ عامر البو سلامة، الذي انتُخب مراقباً عاماً لها عام 2023 خلفاً لمحمد حكمت وليد، وذلك بعد تدرّجه في مواقعها التنظيمية وعضويّته في «مجلس الشورى» التابع لها لثلاث دورات متتالية. وبالرغم من عودة عدد من قيادات «الإخوان» التاريخية إلى سوريا، واستمرار التواصل المباشر وغير المباشر مع السلطات الانتقالية، لا تزال الجماعة تعمل من دون وضع قانوني مُعلَن أو مقرّات ونشاط تنظيمي واضح داخل البلاد. كما لا تتوافر أرقام موثوقة عن عدد أعضائها وقاعدتها الشعبية، خصوصاً بعد أن فقدت ما كان لديها من نفوذ عسكري غير مباشر بعد حلّ «فيلق الشام»، الفصيل الأقرب إليها، والذي تمّ دمجه في وزارة الدفاع.
في النتيجة، يمكن النظر إلى البيان الأخير باعتباره محاولة من الجماعة لإيجاد مساحة عمل لها في سوريا، بعدما وجدت نفسها، إثر سقوط النظام السابق، تُنافِس جماعة إسلامية سنّية أخرى، جاءت من رحم «السلفية الجهادية»، واستولت على الحكم، وتشتغل اليوم على بناء السلطة بشكل شديد المركزية، عنوانه الإمساك بجميع مفاصل الدولة. وعليه، تتّجه الأنظار الآن إلى موقف السلطة من بيان «الإخوان»، سواء أتى عبر التصريح المباشر أو من خلال قانون الأحزاب المُنتظر.
الأخبار


