لماذا لم ينعكس الانفتاح الدولي والاستثمارات على معيشة السوريين؟

رغم التحولات السياسية والدبلوماسية والانفتاح الدولي على سورية، وما يرافق ذلك من حديث عن تحسن اقتصادي وتدفق استثمارات عربية وأجنبية، لا تزال الأسر السورية تواجه ضغوطًا كبيرة مرتبطة بارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية.
وتشمل هذه الضغوط تكاليف الاحتياجات الأساسية، والتعليم الجامعي، والرعاية الصحية، إضافة إلى فواتير الكهرباء وأسعار المشتقات النفطية.
وقال مواطنون لـ”سيريانديز” إن التحسن السياسي لم ينعكس، حتى الآن، بالقدر نفسه على حياتهم اليومية، مشيرين إلى اضطرارهم إلى تقليص الإنفاق والتخلي عن بعض العادات الاستهلاكية لتلبية الاحتياجات الأساسية.
فجوة بين الانفتاح السياسي والاقتصاد الحقيقي
ويرى الخبير الاقتصادي والمصرفي الدكتور إبراهيم نافع قوشجي أن عدم شعور المواطنين بتحسن معيشي مباشر يمكن تفسيره بوجود فجوة زمنية وهيكلية بين التطورات السياسية والدبلوماسية وبين انعكاساتها على الاقتصاد الحقيقي.
ويوضح أن تعافي الاقتصاد لا يحدث بمجرد تحسن العلاقات الدولية، إذ تحتاج المصانع والمنشآت الزراعية وسلاسل الإنتاج المتضررة إلى استثمارات ووقت حتى تستعيد قدرتها السابقة.
كما لا تزال مجموعة من الاختلالات الهيكلية تضغط على الأسعار، وفي مقدمتها نقص الطاقة، وارتفاع تكلفة المستلزمات المستوردة، وتراجع الإنتاج الزراعي والحيواني.
ويضيف قوشجي أن تحويل الانفتاح السياسي إلى استثمارات فعلية يحتاج إلى بيئة تشريعية ومصرفية أكثر ملاءمة، بما يسمح بتدفق الأموال إلى القطاعات الإنتاجية وخلق فرص عمل وزيادة المعروض من السلع.
لماذا يستمر التضخم وتتراجع قيمة الليرة؟
يربط قوشجي ارتفاع التضخم وتراجع قيمة العملة بعدة عوامل، من بينها الاعتماد الكبير على استيراد المشتقات النفطية والمواد الأولية، ما يجعل الأسعار المحلية متأثرة بتغيرات أسعار الصرف وتكاليف الاستيراد.
كما تلعب كلفة الطاقة دورًا أساسيًا في رفع أسعار المنتجات، خصوصًا مع اعتماد قطاعات مختلفة على الوقود مرتفع التكلفة والمولدات والطاقة الشمسية لتأمين احتياجاتها.
وينعكس ذلك على تكاليف إنتاج ونقل الخضار واللحوم والدواجن، التي تنتقل زياداتها في النهاية إلى المستهلك.
وأشار قوشجي أيضًا إلى ما وصفه بالتسعير الوقائي، إذ قد يلجأ بعض التجار والمربين إلى رفع الأسعار تحسبًا لزيادة التكاليف مستقبلًا أو لتعويض خسائر سابقة، خصوصًا مع خروج بعض المنتجين والمزارعين من السوق.
زيادة الإنتاج وتخفيف كلفة الطاقة
ولخفض الضغوط على الأسر، يرى قوشجي أن الأولوية يجب أن تتجه نحو تحفيز الإنتاج المحلي، من خلال دعم مستلزمات الزراعة وتربية الحيوانات، مثل الأعلاف والأسمدة، بما يساعد على خفض تكلفة السلة الغذائية.
كما يشير إلى أهمية إصلاح قطاع الطاقة وتوفيرها للقطاعات الإنتاجية بأسعار مستقرة أو مدعومة، بما يساهم في خفض تكاليف النقل والتصنيع والإنتاج.
ويشدد كذلك على ضرورة ضبط التضخم قبل رفع الأجور، حتى لا تتحول أي زيادة اسمية في الرواتب إلى زيادات سعرية تلتهم أثرها سريعًا.
قوة الليرة لا تأتي بالقرارات الإدارية وحدها
وفي ما يتعلق بإمكانية استعادة الليرة لقوتها أمام الدولار، يرى قوشجي أن تحسين سعر الصرف يحتاج إلى معالجة عوامل اقتصادية أساسية، وليس إلى قرارات إدارية فقط.
ومن بين هذه العوامل زيادة الصادرات وخفض فاتورة الاستيراد، من خلال دعم الصناعات المحلية والمنتجات الزراعية القابلة للتصدير، بما يوفر تدفقات مستمرة من العملات الأجنبية.
كما يشير إلى أهمية إعادة عائدات التصدير إلى المصارف السورية بعد تشغيل نظام “سويفت”، إلى جانب تعزيز الثقة بالعملة المحلية عبر تحقيق قدر أكبر من استقرار الأسعار وتوسيع التعاملات المصرفية والمالية.
ويقول قوشجي إن استقرار سعر الصرف يمكن أن ينعكس على الأسر من خلال الحد من التقلبات في أسعار السلع الأساسية، ما يمنح الدخل قدرة شرائية أكثر استقرارًا خلال الشهر.
كيف يمكن تقليص الفجوة بين الأجور وتكاليف المعيشة؟
ويطرح قوشجي مجموعة من الإجراءات لحماية الأسر من اتساع الفجوة بين الدخل والنفقات، من بينها مراجعة الأجور بصورة دورية وربطها بمؤشرات واقعية لتكاليف المعيشة.
كما يشير إلى أهمية ضبط سلاسل التوريد وتقليص الحلقات الوسيطة بين المنتج والمستهلك، للحد من المضاربات والزيادات غير المرتبطة بتكاليف الإنتاج، خصوصًا في أسواق الخضار واللحوم والدواجن.
وبذلك، فإن تحسن المؤشرات الاقتصادية الكلية لا يعني بالضرورة تحسنًا فوريًا في دخل الأسر، إذ يحتاج انتقال آثار الانفتاح والاستثمار إلى الحياة اليومية إلى استقرار الإنتاج والطاقة والأسعار، إلى جانب خلق فرص عمل وتحسين القدرة الشرائية.
سيريانديز



