ما سر زيارة وزير الخارجية التركي هاكان فيدان لضريح محيي الدين بن عربي بسفح قاسيون في دمشق؟

أثارت زيارة وزير الخارجية التركي هاكان فيدان إلى مقام محيي الدين بن عربي عند سفح قاسيون اهتمامًا خاصًا، باعتبارها زيارة تحمل دلالات تاريخية وروحية تتجاوز بعدها البروتوكولي.
وخلال زيارته إلى دمشق، زار فيدان جامع ومقام محيي الدين بن عربي، إلى جانب عدد من المواقع الدينية والتاريخية، بينها التكية السليمانية والجامع الأموي وضريح صلاح الدين الأيوبي.
وتستعيد زيارة مقام ابن عربي طبقة عميقة من العلاقة بين التاريخ التركي والتراث الصوفي، إذ ارتبط المقام منذ قرون بتحولات سياسية وفكرية رافقت انتقال الحكم العثماني إلى بلاد الشام.
ابن عربي وسليم الأول
بعد سنوات من التهميش الذي تعرض له مقام ابن عربي خلال العهد المملوكي، تغير وضعه بصورة كبيرة عقب انتصار السلطان سليم الأول في معركة مرج دابق ودخوله دمشق عام 1516.
وتروي الرواية المرتبطة بالمقام أن السلطان سليم كان متأثرًا بالمكانة التي حظي بها ابن عربي، وبالنبوءة المنسوبة إليه والمعروفة باسم “الشجرة النعمانية”، والتي ربطت بين دخول سليم إلى الشام وظهور قبر الشيخ الأكبر.
وبعد دخوله دمشق، أمر السلطان ببناء مجمع التكية السليمية، الذي ضم مسجدًا وضريحًا وتكية لإيواء الزهاد وطلاب العلم، إضافة إلى مطبخ خيري.
ومن هنا ارتبط اسم ابن عربي، في السردية التاريخية التركية، بعلاقة أوسع بين السلطة والتصوف، وهي العلاقة التي يناقشها الباحث محمد نور النمر في كتابه “التكايا والسرايا: عن علاقة المتصوفة بالسلطة عند الترك”.
التصوف والسلطة في التجربة التركية
يقوم الكتاب على قراءة العلاقة بين نشوء السلطة السياسية والمؤسسات الصوفية، مستندًا في جزء من تحليله إلى أفكار ابن خلدون حول العصبية والدولة.
ووفق هذه المقاربة، احتاجت القوى التركية التي وصلت إلى الحكم إلى أدوات تمنحها شرعية تتجاوز مسألة النسب، فبرزت العلاقة بين القوة العسكرية التي امتلكتها القبائل التركية، والدور الروحي الذي اضطلعت به الطرق الصوفية.
وبذلك تحولت الروابط الصوفية إلى عنصر مهم في بناء الشرعية السياسية والاجتماعية، وأسهمت في استيعاب جماعات مختلفة داخل كيانات سياسية واسعة.
حضور ابن عربي في الأناضول
كان لإقامة ابن عربي في قونية وعلاقته بصدر الدين القونوي أثر واضح في انتشار أفكاره داخل الأناضول، ولا سيما مفاهيم “وحدة الوجود” و”الإنسان الكامل” ومراتب الولاية.
ويرى الكتاب أن تأثير ابن عربي لم يبقَ محصورًا في المجال الروحي، بل امتد إلى المجال السياسي والفكري، حيث ارتبطت أفكاره لاحقًا بتصورات حول الحاكم والشرعية ووحدة المجتمع.
كما يستعرض الكتاب تأثير المدرسة الأكبرية في عدد من الشخصيات المرتبطة بالتجربة العثمانية، ومن بينهم آق شمس الدين، الذي ارتبط اسمه بالسلطان محمد الفاتح وفتح القسطنطينية.
وفي هذا السياق، يناقش المؤلف أيضًا علاقة الدولة العثمانية بالتنوع الديني والمذهبي، وصولًا إلى نظام الملل الذي أتاح لجماعات دينية مختلفة إدارة جانب من شؤونها تحت مظلة الدولة.
من نظام الملك والغزالي إلى التكايا العثمانية
يتوقف الكتاب عند مرحلة مهمة في تاريخ العلاقة بين التصوف والدولة خلال العهد السلجوقي، خصوصًا في عهد الوزير نظام الملك، الذي عمل على مواجهة التحديات الفكرية والسياسية من خلال تطوير المؤسسات التعليمية وتوسيع حضور التكايا والربط.
كما يبرز دور أبي حامد الغزالي في الجمع بين الفقه وعلم الكلام والتصوف، في محاولة لصياغة منظومة فكرية سنية أكثر تماسكًا.
ومع تطور الدولة العثمانية، أخذت الطرق الصوفية أدوارًا أكثر تنظيمًا داخل المجتمع، فارتبطت بعض الطرق بالمؤسسة العسكرية، بينما اضطلعت أخرى بأدوار اجتماعية واقتصادية وثقافية.
وكانت الطريقة البكتاشية مرتبطة بصورة خاصة بالإنكشارية، في حين ارتبطت الأخية بالحرفيين والتجار وتنظيم الحياة الاقتصادية في المدن، بينما احتلت المولوية موقعًا بارزًا في الأوساط الثقافية والفنية والنخبوية.
لكن هذا التنظيم المؤسسي الواسع لم يخلُ من آثار سلبية، إذ يرى الكتاب أن إخضاع التجربة الصوفية بصورة متزايدة للرقابة الإدارية والبيروقراطية ساهم، مع مرور الوقت، في إضعاف جانب من حيويتها.
الجمهورية التركية وإعادة تموضع الطرق الصوفية
شكّل إعلان الجمهورية التركية عام 1923 نقطة تحول كبيرة في علاقة الدولة بالمؤسسات الصوفية.
فمع إصلاحات مصطفى كمال أتاتورك، صدر القانون رقم 677 عام 1925، الذي ألغى التكايا والزوايا وحظر عددًا من الألقاب والممارسات المرتبطة بالطرق الصوفية.
لكن الحظر القانوني لم يؤدِ إلى اختفاء هذه الشبكات بصورة كاملة، وفق القراءة التي يقدمها الكتاب، إذ انتقلت أجزاء منها إلى العمل الاجتماعي والأهلي، وظهرت بأشكال مختلفة من خلال المؤسسات التعليمية والخيرية والاقتصادية والإعلامية.
ومع عودة التعددية الحزبية في تركيا خلال خمسينيات القرن الماضي، بدأت علاقة الدولة بالتيارات المحافظة والدينية تتغير تدريجيًا، وصولًا إلى صعود التيارات الإسلامية والمحافظة، ومن بينها حزب العدالة والتنمية.
ويرى الباحث محمد نور النمر أن هذا التحول أعاد للطرق والجماعات الصوفية مساحة من التأثير الاجتماعي والسياسي، بعد عقود من العمل في ظروف أكثر تحفظًا.
لماذا يعود ابن عربي إلى الواجهة؟
وفق قراءة الكتاب، لا يمكن فهم حضور مقام ابن عربي في الذاكرة التركية بمعزل عن العلاقة التاريخية بين التصوف والسلطة في الأناضول وبلاد الشام.
ومن هذا المنظور، تبدو زيارة هاكان فيدان للمقام، في قراءة المقال، مناسبة لاستعادة ذلك الإرث التاريخي، ولا سيما أن الزيارة جاءت ضمن جولة شملت عددًا من أبرز المواقع الدينية والتاريخية في دمشق.
ويقدم كتاب “التكايا والسرايا” هذه العلاقة باعتبارها ظاهرة ممتدة عبر مراحل مختلفة من التاريخ التركي، من السلاجقة والعثمانيين إلى الجمهورية الحديثة، مع اختلاف الأشكال التي ظهرت بها علاقة المؤسسات الصوفية بالسلطة.
وبذلك لا يقتصر حضور ابن عربي على كونه إرثًا دينيًا أو صوفيًا، بل يتحول في هذه القراءة إلى جزء من تاريخ طويل تداخلت فيه الروحانيات مع السياسة والمجتمع والثقافة، وهو ما يمنح زيارة مقامه في دمشق دلالات تتجاوز الطابع الديني للمكان.
تلفزيون سوريا



