الاخبار

أين يذهب الجواسيس بعد التقاعد؟

نادراً ما يثير تعيين رئيس جديد لمؤسسة بحثية اهتماماً واسعاً، لكن الأمر يختلف عندما يكون الشخص القادم من أعلى مستويات جهاز الاستخبارات الأمريكي. هذا ما حدث مع أفريل هينز، التي اختيرت لرئاسة مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، بعد أن شغلت منصب مديرة الاستخبارات الوطنية الأمريكية في عهد الرئيس جو بايدن.

أعلنت رئيسة مجلس أمناء كارنيغي، جين هارتلي، في يونيو/حزيران 2026 اختيار هينز الرئيسة الحادية عشرة للمؤسسة، على أن تبدأ مهامها في 28 سبتمبر/أيلول.
وكانت هينز أول امرأة تتولى منصب مديرة الاستخبارات الوطنية، بعدما شغلته بين عامي 2021 و2025.
ولا تبدو هذه الخطوة معزولة عن مسار أوسع؛ فقبل هينز، انتقل ويليام بيرنز في الاتجاه المعاكس، من رئاسة كارنيغي إلى قيادة وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية خلال إدارة بايدن.
ويكشف ذلك عن مساحة مشتركة تتقاطع فيها أجهزة الاستخبارات ومراكز الفكر، وتنتقل عبرها الخبرات والشخصيات والأفكار بين المجالين.
لماذا تتجه مراكز الفكر إلى مسؤولي الاستخبارات؟
رغم تكرار هذه الحالات، فإن العلاقة بين أجهزة الاستخبارات ومراكز الفكر لم تحظَ بالقدر نفسه من الدراسة الذي نالته المؤسسات الأمنية أو مراكز الأبحاث كل على حدة.

فدراسات الاستخبارات عادة ما تركز على بنية الأجهزة وآليات إنتاج المعلومات والعلاقة بين المحللين وصناع القرار، بينما تهتم الدراسات الخاصة بمراكز الفكر بمصادر التمويل ودورها في صياغة السياسات وتأثيرها في النقاش العام.
لكن انتقال المسؤولين بين الطرفين يفتح مجالاً مختلفاً للبحث، يتعلق بكيفية توظيف الخبرة الحكومية داخل المؤسسات البحثية، وكيف يمكن لمراكز الفكر أن تصبح مساحة جديدة لاستخدام الخبرة التي تراكمت داخل أجهزة الدولة.
وتحمل أفريل هينز، في هذا السياق، مسيرة واسعة في الأمن القومي والسياسة والقانون.

فقد درست القانون في جامعة جورج تاون والفيزياء في جامعة شيكاغو، وشغلت مناصب عدة، بينها نائبة مستشار الأمن القومي ونائبة مدير وكالة الاستخبارات المركزية، قبل أن تصبح أول امرأة تتولى إدارة الاستخبارات الوطنية.
مسؤولون سابقون.. وخبرة لا تنتهي بانتهاء المنصب
لا تقتصر الظاهرة على هينز وبيرنز. فليون بانيتا، الذي قاد وكالة الاستخبارات المركزية ثم وزارة الدفاع، واصل نشاطه عبر معهد بانيتا للسياسات العامة، الذي كان قد أسسه عام 1997، ثم عاد إلى رئاسته عام 2013.
أما جون برينان، المدير السابق لوكالة الاستخبارات المركزية، فاختار بعد مغادرة منصبه الاستمرار في المجال العام من خلال الكتابة والمحاضرات والعمل الأكاديمي والإعلامي.
وانضم إلى مؤسسات بحثية وأكاديمية، كما عمل محللاً في شؤون الاستخبارات والأمن القومي لدى NBC وMSNBC.

وينطبق الأمر أيضاً على مايكل هيدن، الذي تولى قيادة وكالة الأمن القومي ثم وكالة الاستخبارات المركزية. وبعد خروجه من الخدمة، واصل المشاركة في الجامعات والمنتديات الفكرية والكتابة حول الاستخبارات والأمن السيبراني والعلاقة بين الأمن القومي والديمقراطية.
وتشير هذه النماذج إلى أن مغادرة أجهزة الاستخبارات لا تعني بالضرورة مغادرة المجال العام، بل قد تنقل المسؤول إلى مرحلة جديدة يستخدم فيها خبرته في إنتاج الدراسات والمشاركة في النقاشات العامة.
ما الذي يملكه رجل الاستخبارات ولا يملكه الأكاديمي؟

هنا تبرز مسألة أساسية: إذا كانت الجامعات تضم باحثين يمتلكون خبرة طويلة في البحث والنشر، فلماذا تختار بعض مراكز الفكر قادة سابقين لأجهزة الاستخبارات لإدارتها؟
لا يتعلق الأمر بالضرورة بالتفوق الأكاديمي، وإنما بنوع مختلف من الخبرة.
فالمسؤول الاستخباري السابق أمضى سنوات داخل مؤسسات الدولة، وشارك في إعداد التقديرات وإدارة الأزمات والتعامل مع صناع القرار في ظروف تتطلب اتخاذ قرارات سريعة وسط نقص المعلومات وضغط الوقت.
كما يملك فهماً عملياً لكيفية عمل المؤسسات الحكومية، وكيف تتفاعل أجهزة الأمن والدبلوماسية والسياسة، وما القيود التي تواجه عملية صناعة القرار.
ولا تتوقف هذه القيمة عند الخبرة المهنية؛ فالمسؤول السابق يخرج أيضاً بشبكة واسعة من العلاقات داخل مجتمع الأمن القومي.
وهذه العلاقات يمكن أن تساعد مراكز الفكر على الوصول إلى مسؤولين وخبراء وصناع قرار، وتعزيز حضورها في النقاشات المتعلقة بالسياسة الخارجية والأمن.

ومع ذلك، فإن وجود مسؤولين سابقين داخل مراكز الفكر لا يعني بالضرورة تحول هذه المؤسسات إلى امتداد للحكومة. فكثير من مراكز الدراسات تنتقد السياسات الرسمية وتقترح بدائل تختلف عن توجهات الإدارات القائمة.
ولهذا يمكن النظر إلى العلاقة بوصفها تبادلاً للخبرات: الدولة تستفيد من المعرفة التي تنتجها مراكز الفكر، بينما تستفيد المؤسسات البحثية من الخبرة التنفيذية التي يحملها المسؤولون السابقون.
هل الظاهرة أمريكية فقط؟
قد يبدو أن انتقال مسؤولي الاستخبارات إلى مراكز الفكر ظاهرة مرتبطة بخصوصية واشنطن وكثافة المؤسسات البحثية فيها، لكن أمثلة من بريطانيا وإسرائيل تشير إلى انتشار نمط مشابه.
في بريطانيا، انتقل عدد من كبار مسؤولي جهاز الاستخبارات الخارجية MI6 بعد تقاعدهم إلى المؤسسات البحثية والأكاديمية.
ومن أبرز الأمثلة السير جون ساورز، الذي تولى رئاسة الجهاز بين عامي 2009 و2014، ثم انضم إلى مؤسسات مثل تشاتام هاوس والمعهد الملكي للخدمات المتحدة، وواصل الكتابة وإلقاء المحاضرات حول الأمن الدولي والجغرافيا السياسية.
كما انتقل الرئيس الأسبق للجهاز ريتشارد ديرلوف إلى جامعة كامبريدج، حيث تولى رئاسة مبادرة تهدف إلى تعزيز التعاون بين الحكومة والأوساط الأكاديمية وقطاع الأعمال في قضايا الأمن والاستخبارات.

إسرائيل.. تشابك أوضح بين الأمن ومراكز الدراسات
تقدم إسرائيل نموذجاً أكثر وضوحاً للعلاقة بين المؤسسة الأمنية والبحثية.
فقد ارتبط اسم رؤوفين شيلواح، أول رئيس للموساد، بفكرة إنشاء مؤسسة بحثية متخصصة في شؤون الشرق الأوسط، وهي الفكرة التي تطورت لاحقاً إلى مركز موشيه دايان لدراسات الشرق الأوسط وأفريقيا.
ويبرز كذلك معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي، الذي ارتبط منذ تأسيسه بعدد من كبار المسؤولين العسكريين والاستخباريين. فقد تولى قيادته عدد من الرؤساء السابقين لشعبة الاستخبارات العسكرية، من بينهم أهارون ياريف وعاموس يادلين وتامير هيمان.
كما يضم المعهد جنرالات متقاعدين وضباط استخبارات سابقين ودبلوماسيين ومسؤولين أمنيين، ما جعله منصة مهمة لاستمرار مشاركة النخبة الأمنية في النقاشات المتعلقة بالاستراتيجية والسياسة.
الخبرة الاستخبارية كرأس مال معرفي
تكشف المقارنة بين الولايات المتحدة وبريطانيا وإسرائيل أن الخبرة التي يكتسبها المسؤولون داخل أجهزة الاستخبارات لا تتوقف قيمتها بانتهاء الخدمة.
فالمسؤول السابق يحمل معه معرفة بالمؤسسات وآليات اتخاذ القرار وإدارة الأزمات، إلى جانب شبكة علاقات واسعة وخبرة في التعامل مع ملفات شديدة التعقيد.
في المقابل، توفر مراكز الفكر مساحة لتحويل هذه الخبرة إلى أبحاث وكتب وأوراق سياسات ومحاضرات، بحيث تصبح جزءاً من المعرفة المتداولة بين الباحثين وصناع القرار والأجيال الجديدة.
ومن هنا يمكن فهم ظاهرة «الباب الدوّار» بين أجهزة الاستخبارات ومراكز الفكر، ليس باعتبارها انتقالاً وظيفياً فحسب، بل باعتبارها حركة مستمرة للخبرة بين الدولة والجامعة والإعلام ومؤسسات البحث.
وتشير تجربة أفريل هينز، إلى جانب نماذج أخرى، إلى أن مجتمع الأمن القومي في عدد من الدول الغربية يمتد إلى ما هو أبعد من الأجهزة الحكومية نفسها، ليشمل شبكة من المؤسسات البحثية والأكاديمية والإعلامية التي تشارك في إنتاج المعرفة وتداولها.
وفي نهاية المطاف، يبدو أن قيمة المسؤول الاستخباري السابق لا ترتبط فقط بما شغله من منصب، بل بما يستطيع نقله من خبرة مؤسسية إلى مجال البحث والنقاش العام، مع بقاء التحدي الأساسي أمام مراكز الفكر هو الحفاظ على التوازن بين الاستفادة من الخبرة التنفيذية والاستقلال عن السياسات الرسمية.
الجزيرة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى