سورية لا تحتاج موسما جديدا فقط.. بل إعادة بناء القطاع الزراعي

مع اقتراب الموسم الزراعي الجديد، لا تبدو مهمة وزارة الزراعة محصورة في تأمين البذار والأسمدة ومستلزمات الإنتاج، فالتحدي الأكبر يتجاوز الموسم المقبل إلى قدرة القطاع الزراعي على الاستمرار والإنتاج في السنوات التالية.
فالسؤال لم يعد فقط عن المساحات التي ستزرعها سورية أو حجم المحاصيل المتوقع إنتاجها، وإنما عن مدى جاهزية المنظومة الزراعية للاستمرار بعد انتهاء الموسم، في ظل أضرار لحقت خلال السنوات الماضية بشبكات الري والمنشآت الزراعية ومرافق التخزين، إلى جانب تراجع أعداد العمالة والآليات في بعض المناطق المنتجة.
وبالتالي، فإن إعادة الأرض إلى الإنتاج لا تكفي وحدها، ما لم تترافق مع إصلاح شبكات المياه وتحسين التمويل والتسويق وتطوير البيانات والمؤسسات المرتبطة بالقطاع.
من إدارة موسم إلى بناء قدرة زراعية
يرى الباحث والخبير الاقتصادي والاستشاري في استراتيجيات إدارة التحول، الدكتور ياسين العلي، في حديثه لـ«الوطن»، أن المطلوب هو الانتقال نحو ما يسميه «إنتاج القدرة الزراعية الوطنية»، أي بناء منظومة تستطيع تحسين نتائجها من موسم إلى آخر، بدلا من التعامل مع كل موسم باعتباره حالة منفصلة.
ويشير العلي إلى أن المشكلة السورية لا ترتبط بالضرورة بغياب الخطط والاستراتيجيات الزراعية، وإنما بالفجوة بين التخطيط والتنفيذ وقياس النتائج.
فحين تضعف آليات التنسيق والمتابعة والتقييم والتعلم المؤسسي، تتحول الأزمات إلى ملفات منفصلة، ويبدأ التعامل مع كل موسم من نقطة الصفر، بدلا من البناء على التجارب السابقة.
الزراعة منظومة متكاملة
وبحسب هذا التصور، فإن إعادة بناء القطاع الزراعي تتطلب ربط عناصر الإنتاج ببعضها، من الأرض والمياه إلى التمويل والتكنولوجيا والأسواق والبحث العلمي والبيانات.
كما تحتاج السياسات الزراعية إلى مراعاة الفوارق بين المناطق السورية من حيث الموارد والمناخ وأنماط الإنتاج، بدلا من تطبيق نموذج واحد على جميع المناطق.
فاحتياجات منطقة زراعية تعتمد على الري تختلف عن منطقة تعتمد على الزراعة البعلية، كما تختلف طبيعة المحاصيل والأسواق ومخاطر الإنتاج من منطقة إلى أخرى.
المزارع شريك وليس منفذا فقط
ولا يرتبط تطوير الزراعة بزيادة الإنتاج وحدها، بل بإعادة توزيع المخاطر بين مختلف الأطراف.
فالمزارع يواجه مخاطر مرتبطة بالمناخ والأسعار وتكاليف التمويل والإنتاج، ولا يستطيع تحملها جميعا بمفرده، في حين تحتاج الدولة إلى سياسات تقلل المخاطر دون أن تتحمل كامل التكلفة الاقتصادية.
أما المستثمر، فيحتاج إلى قواعد واضحة وبيانات موثوقة وأسواق أكثر استقرارا حتى يتمكن من تقدير حجم المخاطر والعوائد قبل ضخ أمواله.
وفي هذا السياق، يرى العلي أن دور الدولة ينبغي أن يتجاوز توفير مستلزمات الإنتاج إلى بناء البيئة التي تسمح للقطاع بالنمو، من خلال دعم البحث العلمي والإرشاد الزراعي وتوفير البيانات وإدارة الموارد والمخاطر وتهيئة مناخ أكثر وضوحا للاستثمار.
في المقابل، يحتاج المزارعون إلى تنظيم أنفسهم بصورة أكثر فاعلية عبر التعاونيات والمنظمات المنتجة، بحيث يصبحون طرفا مشاركا في صياغة السياسات الزراعية، وليسوا مجرد منفذين لها.
كيف تقاس نتائج السياسة الزراعية؟
يقترح العلي أن تنتقل وزارة الزراعة تدريجيا من التركيز على إدارة الأنشطة والمدخلات إلى إدارة القدرات والنتائج، عبر برامج تربط الموارد بالإنتاج، والمعرفة بالابتكار، والأسواق بالاستثمار، والبيانات بالحوكمة.
وبهذا المنظور، لا يكون نجاح السياسة الزراعية مرتبطا بعدد الخطط الموضوعة أو حجم الإنفاق الحكومي فقط، وإنما بمؤشرات أكثر ارتباطا بالنتائج الفعلية، مثل ارتفاع إنتاجية الأرض والمياه، وتحسن دخل المزارعين، وزيادة الاستثمارات والقيمة المضافة، ورفع كفاءة الأسواق.
كما أن قدرة القطاع على التعامل مع الجفاف وتقلب الأسعار ونقص الموارد وغيرها من الصدمات ستصبح مؤشرا أساسيا على مدى نجاح عملية إعادة البناء.
موسم جديد أم نقطة انطلاق؟
تدخل سورية الموسم الزراعي المقبل أمام اختبار يتجاوز حجم الإنتاج المنتظر، ليصل إلى قدرة المؤسسات على بناء منظومة زراعية أكثر استدامة وكفاءة.
فالعودة إلى الإنتاج تمثل خطوة ضرورية، لكنها لا تكفي وحدها. والتحدي الحقيقي هو أن تتحول كل تجربة زراعية إلى معرفة، وكل موسم إلى فرصة لتحسين الأداء، بحيث تصبح الزراعة قادرة على الإنتاج بصورة أفضل وأكثر استقرارا من موسم إلى آخر.
وبذلك، لا يكون الهدف مجرد إنجاح موسم جديد، وإنما بناء قطاع زراعي قادر على الاستمرار ومواجهة الأزمات وتحسين دخل المنتجين وتعزيز قدرته على المساهمة في الاقتصاد السوري.
الوطن



