مركز قوي وأطراف قلقة… هل تستطيع دمشق توحيد سورية؟

في القرن الـ14 أسس ابن خلدون نواة ما يعرف اليوم بعلم الاجتماع، وقدم حصيلة أفكاره في كتابه الشهير “مقدمة ابن خلدون”، وفيه تناول قضايا عديدة عن التاريخ العالمي وما يحتويه من قضايا علم الاجتماع والسياسة والثقافة والديموغرافيا، وجاء في متنه ما يكفي من الاستدلالات والاستشهادات والشروحات التي ظلت حتى اليوم صالحة للإسقاط والاستعمال والاستقراء، وقد عرج بصورة واضحة وموسعة على شرح علاقة قوة أية دولة، انطلاقاً من مركزها وعلاقة ذلك بأطرافها، وربط المفهوم ذاته وفق دورة قوة السلطة السياسية والعمرانية والاجتماعية بين أركانها الجغرافية.
المسافة بعيدة
ابن خلدون مهد الطريق للباحثين من بعده بصورة كبيرة لفهم آلية وصول الدول إلى مراحل الضعف والانكماش والتفكك والانقسام، ويصح فهم الحال السورية الراهنة انطلاقاً من نظريات علم الاجتماع لدى ابن خلدون وعلماء آخرين، إذا يرى أكاديميون معاصرون أن مشكلة الدولة السورية اليوم لا تنحصر بقدرة السلطة في العاصمة على إحكام قبضتها على مؤسسات الدولة فقط، بل بمدى قدرتها وتمكنها من بناء منظومة علاقة سياسية وقيمية قابلة للديمومة مع كل مناطق ومكونات سورية نفسها، بخاصة تلك التي عاشت في حال صدام قاس في سنوات سابقة مع السلطتين السابقة والحالية.
في السياق قال أستاذ علم الاجتماع المقارن فاضل عيسى “بداية طريق استواء الحكم يكون بالسيطرة على العاصمة وهذا واضح وجلي لا نقاش فيه، ومن الأمثلة الأبرز تاريخياً أن جيش نابليون القاهر حين سيطر على موسكو صار يبحث بعدها عن منفذ للهرب لا وسيلة للبقاء، لأنه لم يمتلك أدوات البقاء الاجتماعية والسياسية واللوجستية على رغم تفوقه العسكري في البداية، فالدولة، وهنا نعود لسوريا، ليست مركزاً إدارياً مختصراً، فالسلطة ليست قرارات ومراسيم، وما دامت المسافة بين دمشق والأطراف ما زالت بعيدة إلى هذا الحد فإن أي باحث يمكنه استشعار ملامح الخطر التي لا يمكن مجابهتها بمجرد تثبيت السلطة”.
من الأرياف
الحرب التي بدأت عام 2011 واستنزفت مقدرات الدولة وحطمتها بالمعنى الحرفي للكلمة، وصولاً إلى انتصار الطرف المعارض فيها والإطاحة بحكم الرئيس المخلوع بشار الأسد بدأت فعلياً من خارج العاصمة دمشق، وتحديداً اتخذت زخمها من درعا جنوباً وحمص وسط البلاد وأريافهما، قبل أن تنتشر سريعاً وتغزو بقية الأرياف ثم المدن الصغرى والكبرى.
في السياق، قال الباحث السياسي جبار عبدالمولى “لا شك في أن الدافع الأكبر لانتفاضة الأرياف كان التهميش والفقر والحرمان، فكانت مناطق الأرياف والأطراف أول دعامة في مسار الحراك الثوري، في حين تأخرت حلب شمالاً والعاصمة دمشق كثيراً عن اللحاق بركب الحراك، وفي دمشق نفسها بصورة شبه تامة اقتصر الحراك والسلاح على أريافها لا داخلها، حيث ظلت تعيش استقراراً قوياً حتى سقوط النظام”.
وتابع “لم تكن دمشق ما دفعت البلاد نحو الثورة، بل إن الثورة شعرت أن المركز لا يمثلها ويمدها بما يلزمها اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً وعمرانياً، وبذلك تحولت المشكلة منذ عهد بشار إلى صراع على معنى الدولة نفسها، واليوم يحصد سكان العاصمة اتهامات بعدم مناصرة الثورة، المهم في هذا القول هو أن تجاهل الأطراف حطم السلطة السابقة، واتضح أنه قادر على ذلك، وهذا ما نخشاه على الحكم الجديد”.
المركزية القاتلة
حكم الرئيس الراحل حافظ الأسد وابنه الرئيس المخلوع بشار سوريا قرابة نصف قرن، وخلاله عملا جاهدين على تكريس منظومة حكم شديد المركزية على صعيد القرار السياسي والأمني والعسكري والاقتصادي وما يرتبط بتجيير الموارد وشبكات النفوذ والتحريك المجتمعي انطلاقاً من دمشق وحدها.
في هذا السياق قال المفكر اليساري السوري ميشيل يازجي “حافظ الأسد الذي قدم من ريف اللاذقية شمال غربي سورية ليتولى الحكم ثلاثة عقود وصل على ظهر رفاقه الذين بطبيعة الحال كانوا من محافظات أخرى بعيدة قبل أن يقوم بإقصاء معظمهم، ويهيمن على حزب البعث، ويعلن دمشق مدينة فوق المدن، ومنها تنطلق قرارات تهميش المناطق والمكونات والأطراف والمجتمعات، وأكمل بشار الأسد الإجهاز على هذه الأطراف بسياسات التحرر الاقتصادي في العقد الأول من حكمه اعتباراً من بداية عام 2000، فدفعت الأرياف ثمن التحولات الكبرى، وتراكمت المظالم الكردية في الشمال الشرقي، والفقر المدقع لدى عامة العلويين في حمص وحماه والساحل السوري، إضافة إلى إقصاء السويداء جنوباً عن القرار الفاعل”.
وأضاف “خلال الحرب قدمنا نصائح كثيرة من خلال منتديات محلية ودولية للنظام الحاكم بالتخلي عن قيود المركزية، نظراً إلى أن البلاد تتفتت تحت وطأة ظهور قوى داخلية ومجالس محلية وأجهزة عسكرية وأمنية مناوئة ووجودها كلها مع تعنت دمشق سيدفع السوريون ثمنه، لكن نصائحنا كانت تقابل بمزيد من التجبر، لذلك فإن ما خلفه إرث الأسدين في علاقة المركز بالأطراف يصعب تجاوزه مرة واحدة بمجرد تغيير النظام الحاكم”.
ما بعد السقوط
المشكلة التي يلفت السياسيون والأكاديميون الأنظار إليها اليوم هي ليست استعادة المناطق التي لا ترتبط بعلاقة جيدة مع دمشق لظروف متباينة حصلت بعد سقوط النظام بقدر أهمية الكيفية التي قد تعود بها تلك المناطق، ويرون في ذلك ناقوس خطر، لأن وجود المؤسسات شيء، وبناء الثقة شيء آخر تماماً.
وهذه المشكلة مع الوقت تتصاعد ولا تتلاشى وهذا ما يقلق في الملف السوري، وعلى رغم إحراز تطورات غير متوقعة أخيراً في الملف الكردي الذي ظل عالقاً سنوات بين النظامين القديم والجديد وانتهى أخيراً بإعلان حل “قوات سورية الديمقراطية” وتعيين الجنرال مظلوم عبدي قائدها السابق مستشاراً للرئيس أحمد الشرع، وهنا طرحت أسئلة أكثر عمقاً تبحث في الصورة العامة، فهل انتقلت العلاقة من الخصومة السياسية والإدارية والجغرافية إلى منطقة الأمان والاندماج ضمن جسد الدولة الواحدة، وبالتالي هل ما حصل يعني أن عملية الاندماج هي تسوية سياسية – اجتماعية – ثقافية – تمثيلية – حقوقية كاملة ومستدامة؟ أم أنها مجرد ترتيب عسكري وإداري؟
صالح الحموي وهو أحد المؤسسين الأوائل لـ”جبهة النصرة في سوريا” بين، وفق، وفق معلوماته، أن اندماج “قسد ملف مقلق لأن الشرع ووزارة الدفاع لن يتمكنا من نقل كتيبة أو سرية تابعة لقسد من مناطقها في الحسكة والقامشلي إلى مناطق أخرى كحمص أو حماة مثلاً، وتعداد ألويتها المندمجة نحو 5500 عنصر، كذلك لن تستطيع السلطة محاسبة عنصر من قسد من دون الطلب من قيادته، ولا اعتقال أي كردي من شرق البلاد ونقله إلى دمشق، فضلاً عن مشكلات معبر سيمالكا مع العراق الذي يسيطر عليه الأكراد”، وبحسب صالح “فلن تستطيع أيضاً وزارة الدفاع نقل مخازن سلاح قسد التي استلمتها سابقاً من أميركا إلى قطعات عسكرية أخرى في محافظات ثانية”، وكشف صالح عن أن “انتفاء تلك الشروط السيادية يعني حكماً سيادياً لقسد في مناطقها، وبنوداً سرية لم يكشف عنها برعاية أميركية حول تقاسم عوائد المعابر وحقول النفط”.
وفي السويداء جنوباً تبدو المسألة أكثر تعقيداً وإلحاحاً بمراحل، إذ تسيطر قوى محلية على المحافظة مع رفض قاطع لمد جسور تواصل مع دمشق بعد مجازر يوليو (تموز) عام 2025 التي قضى فيها آلاف الدروز على أيدي عناصر السلطة والعشائر المتحالفة معها، بخاصة مع التوجه الرسمي والمعلن لقادة المحافظة بأن أي شكل مستقبلي للمحافظة مرتبط بإسرائيل لا بدمشق.
وفي حمص وحماة والساحل السوري لا يبدو الوضع بأفضل حال، إذ يمكن الاصطلاح على الوضع هناك بأنه نار تحت الرماد، فتلك المناطق شهدت مجازر في مارس (آذار) عام 2025، إذ قضى آلاف العلويين أيضاً، ولم تتوقف عمليات القتل والاختطاف وسبي النساء بعدها وحتى اليوم من وسط البلاد إلى أقصى شمال الساحل غرباً، لكن الفرق في تلك المناطق أن علوييها مجردون من سلاحهم تماماً، وشبه مجردين من الدعم الخارجي، ويعانون مشكلات في وجود مرجعية تحكم أمرهم، لكن لا شك أنهم متفقون بحسب تظاهرات عدة خرجوا بها أن الحل النهائي هو منحهم حكماً ذاتياً أو فيدرالياً.
وفي حالات “قسد” شرقا، والدروز جنوباً، والعلويين وسط سورية وغربها، وتنامي تحركات “داعش” في مساحات البادية الشاسعة، فإن استعادة السلطة على الخريطة لن تمثل نهاية المشكلة، بل بدايتها السياسية والأمنية والاجتماعية والاقتصادية، ولذلك يجمع المراقبون أن الطريق ما زال طويلاً، وأن النجاحات الخارجية التي تحققها السلطة السورية لم تنجح في الانعكاس على الواقع الداخلي الهش.
لعنة المركز
بتجاوز ثنائية دمشق – الأطراف ثمة سؤال يتعلق بالمخاوف الجمعية من شكل سورية مستقبلاً في ظل تنامي حال التوتر الطائفي وخطاب الإقصاء والكراهية وفرض أسلوب نمط حياة بالطرق القسرية وفق منطق القوة، وهذا لا يعني أن السلطة بتحولاتها البراغماتية هي المسؤولة تماماً، لكنها في الأقل لا تتخذ مواقف حازمة في ذلك السياق، بل لا تعيره انتباهاً إن صح القول.
في السياق، قال الأكاديمي في العلوم السياسية شعبان خياط “المشكلة اليوم أعقد من تصالح شامل بشروط واحدة داخل الجغرافية السورية، لأن كل الكتل والمجتمعات لا تتفق في المطالب نفسها ولا يمكن اعتبارها كتلة واحدة، وبغض النظر عن اندماج قسد، لكن وجود مدن ومناطق من البلاد تطالب بحكم لا مركزي هو خطر فعلي يرتبط بزوايا تقسيم قد تقوم لاحقاً، الأطراف ليست مشكلات أمنية فقط، بل هي مشكلات تتطلب عقداً اجتماعياً”.
السيطرة لا تكفي
يظل نموذج الحكم البعثي المفرط في مركزيته أوضح مثال يجب أخذ العبر منه، فإن كانت دمشق على الدوام قادرة على تعيين مجالس ومحافظين ومؤسسات في المدن وتسيير شؤونها، فإن ذلك لا يعني إمكان إنتاج قبول سياسي، وكما رأى الباحث في الشأن السوري سمير نصر فإن “الإفراط في المركزية يعني إنتاج حقبة ماضية عنوانها تراكم المظلوميات السياسية والاجتماعية والأمنية والسياسية والقومية والدينية والطائفية، الآن هناك تحد واضح ما بين خيار دولة مفككة أو مركزية ضمن صيغة توافقية تعددية يراعيها دستور جديد غير أحادي محمول على مؤتمر وطني شامل، فالتوافق هو سبيل الخلاص من التفكك”.
المشاركة الجماعية
من ناحيته، لفت الدبلوماسي السوري السابق وليد الحكيم إلى أن “إنتاج الشرعية الحقيقة لا يمكن أن يتم من دون مشاركة كل سورية في صياغة شكل الحكم ومستقبل البلاد ودستوره وقوانينه واتفاقاته، لكن السلطة إلى حد بعيد تسير في مسار معاكس لهذه الآمال، وقد تبدى ذلك في سلوكيات عدوانية أو أحادية كتعيين مجلس الشعب والحكومة والقرارات المتتالية التي أرهقت المواطنين اقتصادياً واجتماعياً، والتشارك في القرار لا يعني قبول دمشق بالتقسيم، إنما يعني تعريف مفهوم الهوية والوحدة الوطنية، السلطة اليوم بأمس الحاجة إلى حاضنة شعبية متكاملة لتتمكن من ترجمة اتفاقاتها وإنجازاتها الملموسة إقليماً ودولياً، لكن ذلك الدعم المنتظر لا يمكن أن يلد من دمشق وحدها، بل عبر التمكن من إقناع السوريين بأن عهداً جديداً بدأ، ومن الضروري في هذا العهد ألا تعاد سيرة العهد السابق”.
هل تحمي دمشق سورية؟
هذا السؤال يمكن اختصار الإجابة عنه بقول أستاذ القانون الدولي علاء جمال إن “الوحدة التي تفرض من المركز تنتهي في المركز وتسحقه بعد أن تتمدد ضده وتراكم مشكلاتها نحوه، وقد شرح ذلك الفيلسوف الصيني سون تزو في مؤلفه الشهير: فن الحرب، في القرن السادس قبل الميلاد”، موضحاً أن المركز حين يعدم الأطراف يكون قد قام بتهميش قاس ضدها وخلق مظلوميات عنيفة لن تنتهي بصورة إيجابية، وبالتالي على سلطة دمشق اليوم أن تقنع السوريين أنها ليست امتداداً لنظام سابق بوجه جديد، فالمركز والأطراف يتكاملان في حماية الدولة وسيادتها وقراراتها، والأهم ألا يكون التوافق قسرياً مخضعاً للأطراف، بل أن يكون تفاهمياً قائماً على ديموقراطية الشراكة الفعلية لا الصورية، وفي ذلك سبيل لحماية مستقبل البلاد من ويلات قد تواجه استقرارها مستقبلاً”.
اندبندت عربية



