اقتصاد

سوق الإسمنت السوري.. 8 ملايين طن استهلاك سنوياً و62.5% منها مستورد

يستهلك السوق السورية نحو 8 ملايين طن من الإسمنت سنويا، فيما لا يتجاوز الإنتاج المحلي 3 ملايين طن، ما يعني أن الواردات تغطي قرابة 5 ملايين طن، أي نحو 62.5% من إجمالي الاستهلاك، مقابل 37.5% للإنتاج المحلي.
وتكشف هذه الأرقام حجم الفجوة التي تعاني منها صناعة الإسمنت في سوريا، لكنها في الوقت نفسه تظهر حجم الفرص الاستثمارية المتاحة، خصوصا مع ارتفاع الاحتياجات المتوقعة لقطاع إعادة الإعمار والبنية التحتية والإسكان والمشاريع الخدمية والصناعية.
وجاءت هذه المعطيات خلال مؤتمر صحفي أقيم في فندق غولدن المزة بدمشق، برعاية وزارة الاقتصاد والتجارة الخارجية والصناعة، وبحث واقع صناعة الإسمنت والمجبول البيتوني وآفاق تطويرها.
شركات دولية تراقب السوق السورية
مدير عام إحدى شركات الإسمنت ومواد البناء في سورية، جبرائيل الأشهب، أوضح أن أهمية المؤتمر لا تقتصر على عرض المنتجات والمعدات، بل تمتد إلى جمع الشركات المتخصصة وفتح المجال أمام التعاون التجاري وإبرام الصفقات والشراكات.
وتشهد دورة عام 2026 مشاركة شركات من الصين وألمانيا والهند والإمارات والسعودية والأردن ومصر والعراق وتركيا، إلى جانب شركات سورية من دمشق وريف دمشق وحمص وحلب واللاذقية وطرطوس.
وأشار الأشهب إلى أن عددا من الشركات بدأ فعليا بدراسة السوق السورية، فيما دخلت شركات أخرى عبر توريد المعدات وتقديم الخدمات، بينما لا تزال شركات إضافية في مرحلة استكشاف فرص الاستثمار.
ولفت إلى امتلاك شركات عالمية خبرات متقدمة في تجهيز خطوط إنتاج الإسمنت، في حين باتت الشركات الصينية من أبرز اللاعبين في إنشاء معامل الإسمنت، مستفيدة من قدرتها على تقديم مشاريع بتكاليف أكثر تنافسية.
وتعزز تجربة العام الماضي هذا التوجه، إذ شهد مؤتمر 2025 توقيع مذكرة تفاهم مع شركة صينية لإنشاء مصنع إسمنت في أبو الشامات بطاقة إنتاجية تقارب 1.17 مليون طن سنوياً.
فجوة الإنتاج تفتح الباب أمام استثمارات جديدة
ورغم أن الاستيراد يوفر حلا سريعا لتغطية احتياجات السوق، فإنه لا يعالج الفجوة بين الإنتاج المحلي والاستهلاك على المدى الطويل.
ومع توقع زيادة الطلب خلال مرحلة إعادة الإعمار، تبرز الحاجة إلى إعادة تأهيل معامل الإسمنت القائمة ورفع طاقتها الإنتاجية، إلى جانب إنشاء خطوط إنتاج ومشاريع جديدة قادرة على تلبية الطلب المتزايد.
ولا تقتصر متطلبات المرحلة على زيادة الكميات المنتجة، بل تشمل أيضا تحديث المعامل القديمة، وتقليل استهلاك الطاقة، واستخدام تقنيات حديثة، والاستفادة من التحول الرقمي في تشغيل وإدارة خطوط الإنتاج.
الإسمنت الأخضر والطاقة البديلة
وفي هذا السياق، أكد فواز عبد الله من لجنة صناعة الإسمنت أن الاستثمارات المستقبلية تتجه بشكل متزايد نحو تقنيات الإسمنت الأخضر وتقليل الانبعاثات.
وأوضح أن تصنيع الإسمنت يرتبط بجزء من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، إضافة إلى الانبعاثات الناتجة عن مصادر الطاقة المستخدمة في تشغيل المعامل، ما يجعل الاعتماد على الطاقة الشمسية وطاقة الرياح وتحديث المعدات ذات الكفاءة العالية من الخيارات المطروحة لتطوير القطاع.
وأشار المشاركون إلى إمكانية تصنيع نحو 26 نوعا من الإسمنت وفقا للمواصفات السورية، الأمر الذي يفتح المجال أمام إنتاج أصناف أكثر تخصصا تلائم احتياجات قطاعات البناء المختلفة.
المجبول البيتوني بحاجة إلى تنظيم أكبر
أما قطاع المجبول البيتوني، فيواجه بدوره تحديات تتعلق بطرق الإنتاج وضمان الجودة، خصوصا مع استمرار استخدام الجبالات اليدوية التقليدية في بعض مواقع البناء، ولا سيما الأبنية متعددة الطوابق.
وفي هذا الإطار، طُرح مقترح تأسيس اتحاد لمجابل البيتون بهدف تنظيم القطاع ورفع مستوى الجودة، بالتوازي مع تعزيز الرقابة الفنية وضمان الالتزام بالمواصفات المعتمدة.
الاستثمار يحتاج إلى كوادر مؤهلة
ولا يقتصر نجاح الاستثمارات الجديدة على توفير رأس المال والمعدات، إذ تحتاج خطوط الإنتاج الحديثة إلى كوادر فنية متخصصة قد لا تكون متوافرة محليا بالعدد الكافي.
ومن المتوقع لذلك الاستعانة بخبرات خارجية خلال المرحلة الأولى، بالتزامن مع تدريب وتأهيل العمالة السورية، بما يسمح بتحويل الاستثمار الأجنبي إلى وسيلة لنقل التكنولوجيا والخبرات، وليس مجرد عملية توريد للمعدات.
8 ملايين طن.. سوق كبيرة أمام المستثمرين
وتتجاوز أهمية سوق الإسمنت حجم المشاركة في المعارض والمؤتمرات، لتقاس بما يمكن أن ينتج عنها من عقود وتوريدات وشراكات واستثمارات ونقل للتكنولوجيا.
فالفجوة التي تصل إلى نحو 5 ملايين طن بين الاستهلاك والإنتاج المحلي تمثل في الوقت نفسه تحديا وفرصة استثمارية كبيرة.
وفي حال تمكنت سورية من تأهيل معاملها وزيادة الإنتاج المحلي واستقطاب الاستثمارات وتحديث التكنولوجيا وتطوير الكوادر، فإن سوقاً تستهلك نحو 8 ملايين طن من الإسمنت سنويا قد تتحول إلى أحد القطاعات المهمة في مرحلة إعادة الإعمار.
الوطن

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى