الاخبار

“جيش الغرباء” على حدود لبنان الشرقية… هل المخاوف مبرر

تواجه سورية الجديدة، بالتوازي مع بناء الجيش والمؤسسات والاقتصاد، معضلة آلاف المقاتلين الأجانب الذين استقروا فيها خلال الحرب. وأثارت تصريحات دونالد ترمب عن احتمال تدخل سورية ضد “حزب الله” مخاوف لبنانية من انتقال الصراع عبر الحدود، وترى مصادر لبنانية أن أي احتكاك قد يتحول إلى مواجهة طائفية تعيد للحزب مبررات سلاحه.
فيما تبني دمشق جيشاً ومؤسسات واقتصاداً جديداً، يثير انتشار وحدات تضم إيغوراً وأوزبك قرب الحدود اللبنانية – السورية، إضافة إلى تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن مواجهة “حزب الله”، هواجس من تحويل لبنان إلى ساحة لتصريف أزمة المقاتلين الأجانب.
ففي دمشق، يجري العمل على نقل سورية من زمن الفصائل إلى زمن الدولة. فبعد سقوط نظام بشار الأسد ووصول أحمد الشرع إلى الرئاسة، بدأت السلطة الجديدة ترسي قواعد مرحلة مختلفة، عنوانها توحيد المؤسسة العسكرية، وضبط الحدود، وإعادة بناء الإدارات، واستقطاب الاستثمارات، وترميم علاقاتها العربية والدولية بعد أعوام من العقوبات والعزلة والحروب.
وتوحي الخطوات المتلاحقة بأن دمشق تريد طي صفحة الدولة التي كانت جزءاً من المحور الإيراني، والانتقال إلى دولة مؤسسية مندمجة في محيطها، تحتكر السلاح والقرار، وتعيد الاقتصاد السوري للنظام المالي العالمي.
لكن خلف هذا المسار تبرز معضلة خطرة ورثتها سوريا عن سنوات الصراع، عنوانها آلاف المقاتلين الأجانب الذين أتوا من عدد كبير من الدول، وارتبطوا بتنظيمات متطرفة، ثم استقروا في البلاد مع عائلاتهم وسلاحهم وشبكاتهم.
لا يستطيع هؤلاء العودة لبلدانهم، إما لأن دولهم ترفض استعادتهم، أو لأنها جردتهم من الجنسية، أو لأن عودتهم تعني السجن وربما الإعدام.
وفي المقابل، لا تستطيع الدولة السورية إبقاءهم إلى ما لا نهاية كتجمعات مسلحة ذات ولاءات عابرة للحدود، ولا خوض مواجهة شاملة معهم من دون المخاطرة بتمرد داخلي واسع.
وهنا تبرز فرضية شديدة الحساسية تتردد في الكواليس السياسية والأمنية، وبخاصة في الأسابيع الماضية، وفيها: هل يمكن أن يتحول إشراك هؤلاء في حروب خارجية، سواء في لبنان أم العراق أم ساحات أخرى، إلى وسيلة لتخفيف خطرهم داخل سورية؟
لا توجد أدلة معلنة تثبت وجود خطة سورية من هذا النوع أو حتى نوايا، لكن انتشار بعض وحداتهم قرب الحدود اللبنانية، وتصريحات ترمب المتكررة عن إمكان تدخل دمشق ضد “حزب الله”، جعلا الهواجس تتجاوز حدود التكهن النظري.
قنبلة متعددة
تشير التقديرات إلى وجود نحو 20 آلاف مقاتل أجنبي في سورية، ويشكل الإيغور المرتبطون الكتلة الأكبر، ويقدر عددهم بنحو 5 آلاف مقاتل، وفق تقارير متعددة.
ويقدر عدد المقاتلين الأوزبك بنحو 1500، إضافة إلى نحو 100 مقاتل من الشيشان والداغستانيين وشمال القوقاز، ونحو 500 مقاتل في المجموعة الناطقة بالفرنسية، فضلاً عن مئات الألبان والطاجيك والقرغيز والعرب والأوروبيين.
وقد دمج نحو 3500 مقاتل أجنبي، غالبيتهم من الإيغور، في الفرقة 84 التابعة للجيش السوري الجديد. لكن الدمج لا يعني بالضرورة تفكيك الروابط القديمة، إذ احتفظت بعض المجموعات بقياداتها وتضامنها الداخلي وقدرتها على الحشد وربما التمرد.
كما تحتفظ خلايا داعش بحضور علني، تقدره الأمم المتحدة بنحو 3 آلاف مقاتل في المسرح السوري – العراقي، فيما رفعت الاستخبارات العراقية التقدير الأقصى لقوة التنظيم داخل سورية إلى 10 آلاف عنصر.
ولا يمكن جمع هذه الأرقام بصورة حسابية للوصول إلى رقم نهائي، نظراً إلى تداخل التصنيفات وانتقال عناصر بين المجموعات، لكنها تكشف عنن حجم البيئة المسلحة والمتطرفة التي تحاول الدولة الجديدة في دمشق احتواءها وإخضاعها لسلطتها.
هجمات الداخل
وأعادت التفجيرات ومحاولات الاغتيال داخل سوريا، كما الاشتباكات الأخيرة ملف المتطرفين إلى مقدمة المخاوف السورية. فيما تشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن تنظيم “داعش” ينفذ ما بين 20 و40 ألف هجوم شهرياً، بما يشمل العبوات والكمائن والاغتيالات والهجمات على الحواجز.
لكن لا يوجد دليل يثبت أن جميع العمليات الأخيرة نفذها مقاتلون أجانب أو مثلاً الإيغور أو الأوزبك الموجودون داخل الجيش، كما حلل بعضهم.
ففي مارس (آذار) الماضي، دفعت سوريا بآلاف الجنود وآليات مدرعة وراجمات قصيرة المدى إلى حدودها مع لبنان والعراق، وشمل الانتشار وحدات من الفرقتين 52 و84، وتركز الانتشار في ريف حمص الغربي وجنوب طرطوس.
فيما تحدثت تقارير داخلية عن أن وحدات نخبة تضم مقاتلين أجانب نشرت في قطاع القصير المقابل لمنطقة الهرمل، إذ لا يزال “حزب الله” يتمتع بنفوذ واسع، وتوجد مستودعات وطرق استخدمت تاريخياً لتهريب السلاح.
كما كشف مدير المرصد السوري لحقوق الإنسان رامي عبدالرحمن عن أن وحدات أوزبكية وإيغورية أجرت محاكاة لعمليات عبر الحدود، وأثار هذا الانتشار مخاوف من أن تتحول المنطقة الممتدة من القصير إلى القلمون إلى نقطة احتكاك بين مجموعات تحمل عداء تاريخياً للحزب وقوى محلية مرتبطة به.
ترمب والشرع
لم تنشأ الهواجس اللبنانية من الانتشار العسكري وحده، ففي يونيو (حزيران) قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إنه يفضل عملية “أكثر دقة ضد الحزب”، مشيراً إلى أن سورية ورئيسها يمكنهما المساعدة.
في المقابل، نفى الرئيس السوري أحمد الشرع صراحة وجود نية للتدخل في لبنان، مؤكداً أن سورية تريد وقف الحرب وتعزيز المؤسسات اللبنانية وإقامة علاقات اقتصادية وهادئة مع بيروت.
يقرأ محللون سوريون في التطورات الأخيرة، معتبرين أن الانتشار السوري قرب الحدود يهدف إلى منع تهريب السلاح إلى “حزب الله” وإظهار قدرة دمشق على ضبط أراضيها، وليس التحضير لدخول لبنان، فالدولة السورية التي لا تزال تعيد بناء جيشها ومدنها واقتصادها، وليست في وضع يسمح لها بخوض حرب خارجية مكلفة.
لكن تصريحات ترمب أبقت السيناريو حاضراً، وخصوصاً أن الوحدات المنتشرة تضم مقاتلين يحملون عداء تاريخياً وأيديولوجياً لـ”حزب الله”، بعدما شارك الحزب إلى جانب نظام الأسد في معارك القصير والقلمون وحلب ومناطق سورية أخرى طوال سنوات.
الفخ اللبناني
يرى مقربون من “حزب الله” أن دخول مقاتلين إيغور أو أوزبك إلى لبنان تحت عنوان محاربة الحزب لن يبقى مواجهة عسكرية محدودة، فالحزب سيقدمها باعتبارها “غزواً” يستهدف الطائفة الشيعية ولبنان، وسيستخدمها لإعادة إنتاج شرعية سلاحه وتعبئة بيئته بعد الضربات السياسية والعسكرية التي تعرض لها.
كما أن مشاركة مقاتلين أجانب سنة في قتال تنظيم شيعي داخل لبنان تحمل قابلية عالية للتحول إلى صراع طائفي، واستدعاء مجموعات محلية وعشائرية، وربما قوى إقليمية، بما يعيد البلاد لمنطق الحرب بالوكالة.
في المقابل، يضع مصدر مقرب من رئيس الجمهورية جوزاف عون زياراته واتصالاته الخارجية ضمن استراتيجية هدفها حماية التوازنات الدقيقة في لبنان، ومنع استدراج البلاد إلى الصراعات الإقليمية أو تحميلها تداعيات ملفات أمنية لا قدرة لها على تحملها.
ويشير المصدر إلى أن الحديث عن احتمال دخول مجموعات مسلحة غير منضبطة إلى لبنان لا ينفصل عن ارتباط بعض هذه المجموعات بدول وأجهزة ومصالح خارجية قد تلجأ إلى استخدامها، ومن هنا تكتسب تحركات عون بعداً وقائياً هدفه تحييد لبنان ومنع تحويله إلى ساحة لتصفية الحسابات. وبحسب المصدر فإن الرئيس اللبناني أكد أن الدولة وحدها ستتولى حماية سيادتها وبسط سلطتها وسحب السلاح من جميع أراضيها، وأن معالجة الملفات الأمنية يجب أن تتم عبر المؤسسات الشرعية، لا بواسطة تدخلات خارجية أو قوى عسكرية غير لبنانية.
وفي السياق نفسه، جاءت زيارة عون إلى تركيا لضمان عدم إقحام لبنان في أي صراع إقليمي، ولتأكيد ضرورة احترام استقراره، فيما تكتسب العلاقة مع أنقرة أهمية إضافية انطلاقاً من تأثيرها في عدد من الفصائل الموجودة في سوريا، وقدرتها على المساهمة في منع انتقال عناصر غير منضبطة إلى الداخل اللبناني.
كذلك تأتي زيارة رئيس الحكومة نواف سلام قبل أسابيع إلى سورية ضمن المسار نفسه، إذ هدفت الزيارة إلى ترتيب العلاقات بين بيروت ودمشق، ومعالجة الملفات العالقة، وسحب مسببات الاحتكاك قبل تحولها إلى إشكالات أمنية أو سياسية.
فيما تؤكد غالبية القيادات اللبنانية أن دخول عناصر متطرفة أو مجموعات أجنبية إلى لبنان ستكون له تداعيات كارثية، على الدولة والمجتمع.
جذور عقائدية
يضع الناشط السوري والدكتور في القانون الدولي مجد عيون السود ملف المقاتلين الأجانب في صدارة القضايا الشائكة التي تواجه سوريا الجديدة، انطلاقاً من طبيعة النزاع الذي اتخذ في مراحل متعددة طابعاً عقائدياً وجهادياً، ويوضح أن أكثر من 120 فصيلاً اندمجت خلال سنوات الثورة ضمن تشكيلات عسكرية مختلفة، وصولاً إلى المرحلة الحالية تحت قيادة الشرع.
ويشير إلى أن قسماً كبيراً ممن شاركوا في المعارك هم سوريون ينتمون إلى فصائل الثورة، فيما دخلت مجموعات أجنبية تحت رايات وتنظيمات متعددة، بينها مجموعات ارتبطت بتنظيم “داعش”.
وقد نظر هؤلاء، وفق قراءته، إلى قتال نظام الأسد وحلفائه، ولا سيما “حزب الله” والحرس الثوري الإيراني، باعتباره جزءاً من مواجهة نظام ارتكب انتهاكات واسعة بحق السوريين، خصوصاً في المناطق ذات الغالبية السنية.
وخلال سنوات الحرب، حضرت جنسيات فرنسية وبريطانية وألمانية وتونسية وجزائرية وبنغلاديشية، إلى جانب جنسيات أخرى، وقد وصل بعض هؤلاء عبر الأراضي التركية إلى شمال سوريا، مدفوعين بدوافع دينية وأيديولوجية مرتبطة بالحرب.
ويرى عيون السود أن مرحلة ما بعد سقوط الأسد نهاية عام 2024 فرضت واقعاً مختلفاً، إذ حصل بعض المقاتلين الأجانب على الجنسية السورية، فيما وصل آخرون إلى مواقع متقدمة داخل مؤسسات الدولة، رابطين مطالبتهم بالبقاء بالتضحيات التي يقولون إنهم قدموها خلال القتال.
أما أعدادهم الحالية، فيؤكد غياب إحصاء رسمي ودقيق، لافتاً إلى تقديرات تتحدث عن مئات وربما آلاف، وسط صعوبة حصر الأسماء بعد سنوات من الحرب وتداخل الفصائل والهويات واستخدام الأسماء الحركية وغياب الوثائق.
صراع الروايات
في المقابل، يرى العميد المتقاعد خالد حمادة أن الملف لا يمكن قراءته من زاوية أمنية أو عقائدية واحدة، لأنه يحمل أبعاداً استخبارية وسياسية تتجاوز التنظيمات المتطرفة، وتتصل بصراع أوسع على شكل سوريا المقبلة ودورها في المنطقة.
ويشير حمادة إلى أن المقاتلين وصلوا ضمن موجة التطرف الديني، لكنه ينفي أن يكون حضورهم نتيجة تحرك ذاتي حصراً، ويربط دخولهم، بحسب رأيه، بأدوار جهات استخبارية دولية، بينها وكالة “الاستخبارات المركزية الأميركية”، وأجهزة أخرى.
ويعتبر أن الوظيفة التي أديت خلال الحرب لم تعد قائمة بالصورة نفسها بعد تغير الظروف وموازين القوى، فبحسب قراءته، ارتبط الملف الكردي سابقاً بمواجهة “داعش”، إذ تولت “قوات سوريا الديمقراطية” السيطرة على مناطق وسجون تضم متطرفين وأجانب.
ويرى أن إعادة طرح خطر هؤلاء على نطاق واسع تخدم أجندات إيرانية وإسرائيلية تسعى إلى التأثير في صورة سوريا الجديدة، كما يرفض اختزال المشهد باتهام تركيا أو الشرع بالتطرف، معتبراً أن التوجه الحالي يسير نحو بناء دولة مدنية ومؤسساتية، بعدما فقدت التنظيمات المتطرفة وظيفتها السابقة.
ويضيف أن سجون “داعش” كانت جزءاً من ترتيبات دولية تولتها “قسد”، وأن انتقال مسؤولين مرتبطين بهذا المسار إلى مواقع جديدة داخل الدولة، وصولاً إلى تولي أحدهم موقعاً استشارياً في القصر الجمهوري، يعكس انتقال البلاد إلى مرحلة مختلفة.
ويعتقد حمادة أن قسماً من المقاتلين أصبح جزءاً من النسيج السوري بفعل الإقامة والعلاقات الاجتماعية والعائلية، مما يجعل رحيلهم الكامل غير واقعي، وبذلك تحول الملف إلى معركة روايات بين من يريد إبقاء صورة التطرف ملازمة لسوريا، ومن يرى أنها دخلت مسار بناء الدولة وتثبيت مؤسساتها.
مما لا شك فيه أن إنهاء وجود المقاتلين الأجانب أو تسوية أوضاعهم يحتاجان إلى مسار طويل يبدأ بضبط الحدود، وملاحقة الرافضين لأية تسوية، ومعالجة أوضاع الموجودين ضمن تشكيلات ومناطق محددة.
فالقضية لم تعد مرتبطة بمقاتلين منفردين يمكن توقيفهم أو ترحيلهم، بل بشبكات عسكرية واجتماعية ترسخت خلال الحرب، لذلك سيبقى مستقبلهم مرتبطاً بالتوازنات الجديدة داخل سورية وبالتفاهمات الإقليمية والدولية التي سترسم شكل المرحلة المقبلة.
اندبندت عربية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى