كيف حول الجنود الأمريكيون قرية باتايا الوادعة إلى “مدينة للخطيئة”؟.. نخبرك ما نعرفه

لم تكن باتايا التايلاندية في منتصف القرن الماضي أكثر من قرية ساحلية هادئة يعتمد سكانها على صيد الأسماك، قبل أن يبدأ الوجود العسكري الأميركي في تغيير ملامحها تدريجياً وتحويلها إلى واحدة من أشهر الوجهات السياحية في البلاد.
وتعود بدايات هذا التحول إلى عام 1959، عندما وصل عدد من الجنود الأميركيين من قاعدة عسكرية في «كورات» إلى المنطقة، واستأجروا منازل بالقرب من الشاطئ لقضاء فترة من الراحة والاستجمام.
وانتقلت شهرة المكان بين الجنود عبر الأحاديث المتداولة، لتبدأ معها مرحلة جديدة في تاريخ باتايا.
ومع تصاعد حرب فيتنام وتدفق العسكريين الأميركيين إلى تايلاند، توسعت الأنشطة السياحية والترفيهية في المدينة، وظهرت الفنادق والحانات وأماكن السهر، قبل أن تكتسب باتايا لاحقاً سمعة مرتبطة بالسياحة الجنسية.
ورغم هذه السمعة، فإن صورة المدينة اليوم أكثر تعقيداً من اختزالها في قطاع الحياة الليلية، إذ أصبحت وجهة سياحية تستقطب العائلات والسياح من مختلف أنحاء العالم.
وتقع باتايا على بعد نحو 100 كيلومتر جنوب شرقي بانكوك، وتستقبل بشكل دوري أفراداً من القوات البحرية ومشاة البحرية الأميركية خلال فترات الراحة، ومن بينهم نحو 5 آلاف من أفراد طاقم حاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لينكولن»، الذين يزورون المدينة بعد جولات بحرية طويلة في المنطقة.
كما تستضيف تايلاند سنوياً تدريبات عسكرية مشتركة مع الولايات المتحدة، ما يبقي على جانب من العلاقة التي بدأت خلال عقود الحرب الباردة وحرب فيتنام.
حرب فيتنام صنعت نقطة التحول
في ذروة حرب فيتنام، كان نحو 50 ألف جندي أميركي متمركزين في تايلاند، بينما زار القواعد العسكرية التايلاندية قرابة 700 ألف عسكري أميركي بين عامي 1962 و1976.
وكان الجنود يترددون على مناطق الترفيه والأحياء التي انتشرت فيها الحانات وبيوت الدعارة بالقرب من القواعد العسكرية.
وساعد موقع باتايا على نمو هذه الأنشطة، فهي تقع بالقرب من قاعدة ساتاهيب البحرية ومطار يو تاباو، الذي استخدمته القوات الأميركية واستضاف قاذفات «بي-52».
كما ساهم قرب المدينة من بانكوك وشاطئها الواسع في تعزيز جاذبيتها، خصوصاً بعد انسحاب القوات الأميركية من تايلاند عام 1976.
وبدلاً من أن تتراجع الأنشطة التي نشأت لخدمة العسكريين، أعيد توجيه البنية التحتية السياحية نحو الزوار المدنيين. واستفادت المدينة من انخفاض تكاليف السفر وانتشار الرحلات السياحية المنظمة، لتتوسع الفنادق والحانات ومرافق الترفيه، وترسخ بذلك صناعة السياحة الجنسية التي ارتبط اسم باتايا بها لسنوات طويلة.
وتشير أبحاث اقتصادية إلى أن آثار الوجود العسكري الأميركي استمرت بعد رحيل القوات، إذ ظلت المناطق المحيطة بالقواعد السابقة تضم معدلات أعلى من العاملات في قطاع الجنس مقارنة بالمناطق التي لم تستضف قواعد عسكرية أميركية.
وشهدت باتايا تحولاً جديداً خلال تسعينيات القرن الماضي، عندما بدأت أعداد متزايدة من السياح القادمين من دول الاتحاد السوفيتي السابق بالتوافد إليها بعد انهيار الاتحاد السوفيتي.
ولم تقتصر موجة الهجرة على السياح، إذ اختار بعض الأجانب الإقامة في المدينة، مستفيدين من مناخها وطبيعة الحياة فيها، في حين جذبت باتايا أيضاً أشخاصاً من خلفيات إجرامية مختلفة، بحسب تقارير إعلامية.
الوجود العسكري ينعش الاقتصاد المحلي
لا تخلو الزيارات العسكرية إلى باتايا من آثار اقتصادية إيجابية، إذ ترسو السفن الأميركية في موانئ قريبة، أبرزها ميناء لايم تشابانغ وقاعدة ساتاهيب البحرية، ما يتيح للجنود الوصول إلى المدينة خلال فترة إجازاتهم.
وينفق أفراد القوات الزائرة أموالاً على الفنادق والمطاعم والخدمات والأنشطة السياحية، ما يوفر دخلاً إضافياً للعديد من القطاعات المحلية.
ولا تقتصر مشاركتهم على الإنفاق السياحي، إذ تتضمن بعض الزيارات أنشطة للتواصل مع المجتمع المحلي، مثل تقديم خدمات طبية أو المشاركة في مبادرات تطوعية.
كما لعبت الفوارق الاقتصادية دوراً في توفير اليد العاملة لقطاع السياحة والحياة الليلية في باتايا، حيث توجه عدد من الشباب والشابات من منطقة إيسان، الواقعة في شمال شرقي تايلاند، للعمل في المدينة، نظراً إلى أن الدخول في بعض هذه الوظائف يفوق ما يمكن تحقيقه من الزراعة في المناطق الريفية.
قوانين تحظر الدعارة وواقع مختلف
رغم أن الدعارة محظورة قانوناً في تايلاند، فإن قطاع الجنس ظل حاضراً بصورة واسعة في بعض المناطق السياحية.
ويرتبط جزء من هذا الواقع بما يسمى «المنطقة الرمادية» في التشريعات، إذ سمح قانون أماكن الترفيه لعام 1966 بعمل عدد من المنشآت الليلية بصورة شبه علنية، رغم وجود قوانين تجرّم الدعارة.
وفي الوقت نفسه، تفرض القوات المسلحة الأميركية قيوداً خاصة على أفرادها أثناء وجودهم في الخارج، ما يعني أن العسكريين قد يواجهون تبعات بموجب القواعد العسكرية الأميركية، حتى في الحالات التي تكون فيها بعض الأنشطة أقل وضوحاً من الناحية القانونية داخل البلد المضيف.
باتايا تحاول التخلص من صورتها القديمة
خلال العقود الأخيرة، عملت باتايا على تغيير صورتها باعتبارها مدينة للحياة الليلية فقط، واتجهت إلى تقديم نفسها كوجهة سياحية تناسب العائلات أيضاً.
وانتشرت في محيط المدينة الحدائق والمنتجعات والمراكز التجارية والمرافق الترفيهية، إلى جانب ملاعب الغولف والأنشطة الرياضية والرحلات البحرية إلى الجزر القريبة.
وتضم المنطقة أيضاً حدائق مائية ومواقع سياحية بارزة، من بينها حديقة نونغ نوش الاستوائية، التي تجمع بين المساحات الخضراء والعروض الثقافية، إضافة إلى «متحف ملاذ الحقيقة»، وهو مبنى خشبي ضخم يتميز بتصميمه المعماري.
ومع ذلك، لا تزال ملامح باتايا القديمة حاضرة في «شارع المشاة»، الذي بقي أحد أبرز مراكز الحياة الليلية في المدينة.
وهكذا، تبدو باتايا اليوم مدينة ذات هويتين؛ واحدة تشكلت خلال عقود الوجود العسكري الأميركي وما رافقه من صناعة ترفيهية، وأخرى تحاول ترسيخ نفسها كوجهة سياحية متنوعة تتجاوز الصورة التقليدية التي التصقت بها لعقود.
عربي 21



