“دمشق الجديدة”.. حلم الـ7 مليارات يصطدم بواقع الاقتصاد السوري

في نقلة نوعية لقطاع الاستثمار العقاري، أُعلن في دمشق عن شراكة بين الصندوق السيادي السوري ومجموعة “أرادَ” للإعمار الإماراتية لإطلاق مشروع “دمشق الجديدة” بقيمة 7 مليارات دولار. ويستهدف المشروع، الذي يتربع على مساحة 4 ملايين متر مربع غربي العاصمة، تشييد ضاحية حضرية متكاملة تطبق معايير “مدينة الـ15 دقيقة”، حيث تتوزع المرافق الخدمية والتجارية والسكنية بشكل يضمن تلبية احتياجات السكان ضمن نطاق جغرافي قريب ومستدام.

وتشمل المكونات الرئيسية للمخطط العمراني للمشروع العناصر التالية:
الوحدات السكنية: إنشاء 11 ألف وحدة تتنوع بين شقق، فلل، منازل متلاصقة، ومساكن بعلامات تجارية.
القطاع الفندقي والطبي: تشييد 500 غرفة فندقية، و1000 شقة فندقية، إضافة إلى مستشفى بسعة 300 سرير.
التعليم والخدمات: بناء منشآت تعليمية تتسع لـ 5 آلاف طالب، ومرافق حكومية وتجارية ومساحات مكتبية.
المساحات الخضراء: تخصيص حديقة عامة رئيسية على مساحة 700 ألف متر مربع.
البعد الاجتماعي: إقامة مدن سكنية موازية ومستدامة لقاطني المخيمات والمتضررين من الحرب.

مؤشرات الانفتاح المالي وسياق التحديات الاقتصادية
تأتي هذه الخطوة بالتوازي مع انفتاح نسبي في البيئة المالية الخارجية؛ حيث أزالت الولايات المتحدة سوريا رسمياً من قائمة الدول الراعية للإرهاب في آب/أغسطس الماضي، إلى جانب بدء تشغيل شبكات بطاقات الدفع الدولية “فيزا” و”ماستركارد” داخل البلاد، فضلاً عن تقديم البنك الدولي منحة بقيمة 100 مليون دولار لتحديث القطاع المالي المصرفي.
ورغم هذه المؤشرات، يواجه الاقتصاد السوري فجوة واسعة؛ إذ تقدر بيانات البنك الدولي تكلفة إعادة إعمار الأصول المادية المتضررة بنحو 216 مليار دولار (نحو 10 أضعاف الناتج المحلي الإجمالي لعام 2024)، محددة الأضرار المباشرة بنحو 108 مليارات دولار، حازت البنية التحتية منها على 52 مليار دولار، والمباني السكنية على 33 مليار دولار. كما انكمش الناتج المحلي الإجمالي الاسمي من 67.5 مليار دولار عام 2011 إلى 21.4 مليار دولار في 2024.
تساؤلات حول البنية التحتية والواقعية الاقتصادية
تثير الضخامة المالية للمشروع تحليلات واحترازات من قِبل خبراء اقتصاديين بشأن الأولويات والجدوى التشغيلية على المدى الطويل. وفي هذا الصدد، أشار الباحث الاقتصادي يونس الكريم إلى ضرورة تقييم المشروع بناءً على معايير الجدوى الفنية والإنتاجية بدلاً من الاكتفاء بالتوسع العمراني.
وتركزت أبرز المحاذير والتساؤلات المطروحة حول النقاط التالية:
تأمين الموارد الأساسية: مدى قدرة الموارد المائية وشبكات الصرف الصحي والطاقة على تلبية احتياجات المدينة الجديدة، لا سيما مع إطلاق البنك الدولي عام 2026 مشروع طوارئ لأمن المياه بقيمة 150 مليون دولار (ضمن حزمة إجمالية بقيمة 225 مليون دولار للمياه والصحة).
القاعدة الإنتاجية وتوليد الوظائف: مدى توافر الأنشطة الاقتصادية والصناعية والخدمية الكفيلة بجذب السكان وتوفير فرص عمل حقيقية وتوليد الصادرات.
تجميد رؤوس الأموال: مخاطر توجيه السيولة المالية المتاحة نحو العقار والمضاربات بدلاً من القطاعات الإنتاجية ذات القيمة المضافة.
الحوكمة والشفافية: أهمية الإفصاح عن هياكل الملكية، مصادر التمويل، جدول التنفيذ، وآليات الرقابة لحماية المال العام.
تضع هذه المعطيات مشروع “دمشق الجديدة” أمام اختبار تحويل رؤوس الأموال الأجنبية إلى محرك نمو حقيقي يخدم الدورة الإنتاجية العامة للاقتصاد السوري.
الحل نت



