الاخبار

من حمزة الخطيب إلى السويداء.. جنبلاط يكشف أسرار لقاءاته الأخيرة مع بشار الأسد

عاد الزعيم الدرزي اللبناني وليد جنبلاط فتح ملف علاقته المعقدة بالنظام السوري السابق، كاشفاً تفاصيل لقاءاته مع بشار الأسد خلال الأشهر الأولى من الثورة السورية، ومحدداً اللحظة التي دفعته إلى اتخاذ قرار القطيعة النهائية مع دمشق.
وجاءت تصريحات جنبلاط في الحلقة السابعة عشرة من برنامج «شاهد على العصر» الذي بثته قناة الجزيرة مساء السبت، حيث استعاد مراحل العلاقة مع دمشق منذ المصالحة عام 2010 وصولاً إلى القطيعة عام 2011.
وربط جنبلاط شهادته بالتطورات الحالية في السويداء وجنوبي سورية، محذراً من عودة أفكار إقامة كيان درزي منفصل، ومعتبراً أن مثل هذه المشاريع تعود إلى تصورات إسرائيلية قديمة تهدف إلى إعادة تشكيل المنطقة على أساس طائفي.
وتكتسب شهادة جنبلاط أهمية خاصة بالنظر إلى موقعه السياسي داخل البيئة الدرزية في لبنان وعلاقاته التاريخية بدروز سورية وفلسطين، فضلاً عن مسار علاقته الطويلة والمتقلبة بدمشق منذ عهد حافظ الأسد وحتى السنوات الأولى من حكم بشار الأسد.
من الخصومة إلى المصالحة
قبل اندلاع الثورة السورية بنحو عام، بدأ جنبلاط إعادة بناء علاقته مع دمشق بعد سنوات من الخصومة التي أعقبت اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري عام 2005 وانسحاب القوات السورية من لبنان.
وقال إن العاهل السعودي الراحل الملك عبد الله بن عبد العزيز لعب دوراً أساسياً في إعادة التواصل بينه وبين النظام السوري، مشيراً إلى احتمال مساهمة حزب الله في تهيئة الظروف التي قادت إلى المصالحة.
وفي 31 آذار/مارس 2010، زار جنبلاط دمشق والتقى بشار الأسد، بعد سنوات كان خلالها من أبرز منتقديه في لبنان.
وبحسب روايته، استقبله الأسد وكأن سنوات الخلاف السياسي لم تكن موجودة، وطلب منه تجاوز الماضي.
وفي حديثه عن تلك المرحلة، فرّق جنبلاط بين حافظ الأسد ونجله بشار، فوصف حافظ الأسد بأنه كان «قاسياً ومجرماً»، لكنه امتلك، بحسب تقديره، حضوراً عربياً ودولياً، في حين اتهم بشار الأسد بالاعتماد على «الكذب والتمويه».
ولم تقتصر زيارة جنبلاط على اللقاءات السياسية، إذ تحدث عن رحلة قام بها مع زوجته وأصدقاء إلى حلب عام 2010، حيث تجولوا في أسواق المدينة القديمة وقلعتها وأقاموا في أحد البيوت التراثية التي تحولت إلى فندق، قبل أن تتعرض مناطق واسعة من المدينة للدمار خلال سنوات الحرب.
ثلاثة لقاءات بعد اندلاع الثورة
مع اندلاع الثورة السورية في آذار 2011، دخلت العلاقة بين جنبلاط والأسد مرحلة جديدة.
وكشف الزعيم الدرزي أنه زار سورية نحو ثلاث مرات خلال الأشهر الأولى من الثورة، في وقت كانت الاحتجاجات تتوسع وتزداد معها حملة القمع.
واستعاد جنبلاط لقاءً مع شخصية سماها «حكمت»، قال إنها حذرته من أن طريقة بشار الأسد في التعامل مع الاحتجاجات ستقود سوريا إلى صراع داخلي وربما إلى التقسيم.
كما تحدث عن لقاء غداء جمعه بمحمد ناصيف، أحد أبرز رجال المنظومة الأمنية في عهد الأسد، وقال إن ناصيف اختصر طبيعة الصراع بعبارة «يا نحن يا هم»، وتحدث، بحسب رواية جنبلاط، عن احتمال وصول عدد القتلى إلى مليون شخص.
وربط جنبلاط هذه الذهنية بما ظهر لاحقاً من انتهاكات في سجن صيدنايا وملفات المعتقلين والمفقودين والمقابر الجماعية، مشيراً إلى أن الحجم النهائي للخسائر البشرية لم يُحسم بصورة كاملة حتى الآن.
لقاء حمزة الخطيب وعاطف نجيب
توقف جنبلاط مطولاً عند آخر لقاء جمعه ببشار الأسد في حزيران 2011، معتبراً أن هذا اللقاء كان نقطة التحول التي حسمت موقفه من النظام.
وقال إنه ذهب إلى اللقاء برفقة الوزير اللبناني السابق غازي العريضي، وإنه طلب الأمان قبل أن يطرح على الأسد مجموعة من الأسئلة حول ما كان يجري في سوريا.
وكان أول هذه الأسئلة متعلقاً بالطفل حمزة الخطيب، الذي أصبح مقتله بعد اعتقاله أحد أبرز رموز الثورة السورية في بداياتها.
وبحسب رواية جنبلاط، سأل الأسد عن تعذيب الخطيب، ونسب إليه جواباً قال فيه: «ما عذبناه، قتلناه».
وأضاف أن طريقة تعامل الأسد مع القضية والإجابة التي تلقاها شكلتا بالنسبة إليه لحظة فاصلة في موقفه.
بعد ذلك، سأله عن عاطف نجيب، ابن خالته والمسؤول الأمني السابق في درعا، الذي ارتبط اسمه بالأحداث التي سبقت اندلاع الاحتجاجات في المحافظة.
وقال جنبلاط إن الأسد أجابه بأن «أحداً لم يشتكِ» من نجيب، وهو ما أثار استغرابه، متسائلاً كيف يمكن لمواطن سوري في تلك المرحلة أن يتقدم بشكوى ضد شخصية أمنية نافذة ترتبط بعائلة الرئيس.
«أنا الحاكم».. رواية جنبلاط عن صاحب القرار
لم يكن اللقاء الأخير مهماً بالنسبة إلى جنبلاط بسبب ما سمعه عن الانتهاكات فقط، وإنما أيضاً لأنه كان يبحث عن إجابة لسؤال أساسي في بدايات الثورة: هل كان بشار الأسد يسيطر فعلاً على أجهزة الأمن والجيش، أم أن مراكز قوى أخرى، بينها شقيقه ماهر الأسد، كانت تتخذ القرارات بعيداً عنه؟
وقال جنبلاط إن الأسد تحدث خلال اللقاء عن مجموعة من الفنانين التشكيليين الذين كانوا يخشون عليه من احتمال وقوع أحداث في البلاد من دون علمه.
لكن الأسد، وفق رواية جنبلاط، أكد لهم أنه «الحاكم» وأنه يعرف ما يجري.
واعتبر جنبلاط أن هذا الموقف أسقط بالنسبة إليه الرواية التي كانت تفصل بين الرئيس وممارسات الأجهزة الأمنية والعسكرية، وأقنعه بأن الأسد يتحمل المسؤولية المباشرة عن إدارة النظام إلى جانب شقيقه وعدد من المسؤولين.
وقال إنه خرج من اللقاء مصدوماً من طريقة التعامل مع القتل والقمع، ومن أسلوب الأسد الذي وصفه بالتمويه والكذب، ليقرر بعد ذلك عدم العودة إلى دمشق.
من المصالحة إلى القطيعة
شكل لقاء حزيران 2011 نهاية المصالحة التي بدأت قبل عام تقريباً، بعدما اتخذ جنبلاط موقفاً أكثر وضوحاً من الثورة السورية وطريقة النظام في التعامل معها.
ويرى جنبلاط أن الأسد كان من الممكن أن يسقط خلال عام تقريباً لو توصلت الدول العربية والغربية إلى موقف موحد وقدمت دعماً حاسماً للمعارضة السورية.
كما انتقد موقف إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما، قائلاً إن واشنطن كانت مستعدة في البداية لاتخاذ خطوات ضد الأسد قبل أن تتراجع، وربط ذلك بالمفاوضات التي قادت لاحقاً إلى الاتفاق النووي مع إيران.
واتهم جنبلاط أوباما بأنه «باع سورية وأهل سورية» من أجل التوصل إلى الاتفاق مع طهران، مدعياً أن إيران اشترطت الحفاظ على نفوذها في سوريا مقابل إنجاز الاتفاق النووي.
كما تناول أدواراً دبلوماسية لاحقة، بينها جهود كوفي عنان والأخضر الإبراهيمي، والمحاولات الرامية إلى وقف العنف وسحب قوات النظام من المدن، معتبراً أن دمشق لم تلتزم بتلك المطالب.
جنبلاط يرفض تحميل العلويين مسؤولية جرائم النظام
وفي سياق النقاش حول المسؤولية عن الانتهاكات التي ارتكبها النظام السابق، رفض جنبلاط تحميل الطائفة العلوية مسؤولية الجرائم التي ارتكبتها السلطة.
وقال إن منظومة القمع ضمت مسؤولين وضباطاً من طوائف سورية مختلفة، بينهم سنة ودروز ومسيحيون وعلويون.
واستشهد بالضابط عصام زهر الدين بوصفه مثالاً على ضابط درزي شارك في العمليات العسكرية إلى جانب النظام.
وبذلك ميّز جنبلاط بين مسؤولية النظام السياسية والأمنية وبين الهوية الطائفية لأفراد المجتمع السوري، مع إقراره بأن أبناء الطائفة العلوية شغلوا مواقع مهمة داخل مؤسسات السلطة والأمن.
مشروع الكيان الدرزي.. تحذير من تكرار أفكار قديمة
انتقل جنبلاط في شهادته من أحداث الثورة إلى التطورات الحالية في السويداء وجنوبي سورية، محذراً من عودة فكرة إقامة كيان درزي منفصل.
ونفى أن يكون المؤتمر الاغترابي الدرزي الذي عقده في بيروت عام 2010 قد ناقش إقامة دولة درزية، مؤكداً أن أهداف المؤتمر كانت اجتماعية واقتصادية وإنمائية، وشارك فيه نحو 840 شخصاً من 37 دولة.
لكنه قال إن فكرة إقامة كيان درزي تعود إلى عقود مضت، مستعيداً رسالة قال إن كمال كنج أبو صالح من مجدل شمس المحتلة وجهها إلى والده كمال جنبلاط عام 1967، وحذر فيها من مشروع إسرائيلي لإقامة كيان درزي.
وأضاف أن والده نقل هذا التحذير في حينه إلى الرئيس المصري جمال عبد الناصر، قبل أن تتراجع الفكرة بفعل الظروف والتوازنات الإقليمية آنذاك.
ويرى جنبلاط أن هذه الأفكار عادت إلى الواجهة مع التطورات الأخيرة في السويداء وجنوبي سورية.
«جبل باشان».. خلاف على التسمية أم مشروع سياسي؟
وتوقف جنبلاط عند استخدام تسمية «جبل باشان» بدلاً من «جبل العرب»، معتبراً أن المسألة لا تتعلق بالمصطلحات الجغرافية فقط، بل تحمل أبعاداً سياسية.
وربط التسمية بمنطقة تاريخية تشمل، بحسب شرحه، جبل الشيخ والسويداء وحوران، محذراً من أن فصل هذه المناطق عن الدولة السورية يمكن أن يتحول إلى خطوة باتجاه تفتيت البلاد.
وأكد رفضه إقامة دولة أو كيان درزي مستقل، معتبراً أن هذه الفكرة ترتبط، وفق قراءته، بمشروع إسرائيلي قديم يقوم على إنشاء كيانات منفصلة للأقليات.
وأشار كذلك إلى أفكار سابقة تحدثت عن إقامة كيان مسيحي في لبنان، وربطها بمفهوم «تحالف الأقليات» في المنطقة.
وبالنسبة إلى جنبلاط، فإن حماية الدروز لا تكون من خلال فصل السويداء أو جبل العرب عن سوريا، وإنما من خلال بقائهم جزءاً من الدولة السورية.
دروز فلسطين والارتباط بالمحيط العربي
وتحدث جنبلاط أيضاً عن مشاركة وفد من دروز الأراضي الفلسطينية المحتلة في مؤتمر بيروت عام 2010، مشيراً إلى أن السلطات اللبنانية سمحت بدخول الوفد في إطار مساعٍ لإعادة ربط قسم من دروز فلسطين بمحيطهم العربي.
ويعكس هذا الموقف، بحسب رؤيته، تمسكه بفكرة أن الدروز ليسوا جماعة منفصلة سياسياً عن محيطهم، وهو ما يفسر رفضه الحالي لأي مشروع يسعى إلى إقامة كيان مستقل لدروز سوريا.
علاقة نظام الأسد بإسرائيل
وفي جزء آخر من شهادته، طرح جنبلاط قراءة مثيرة للجدل لطبيعة العلاقة بين نظام الأسد وإسرائيل، معتبراً أن استمرار النظام منذ وصول حافظ الأسد إلى السلطة وحتى سقوطه في كانون الأول 2024 تزامن، وفق تحليله، مع وجود تقاطعات في المصالح بين الطرفين.
وقال إن الخلاف بين دمشق وتل أبيب حول الجولان لم يمنع وجود نقاط التقاء في ملفات أخرى.
واستعاد حرب حزيران 1967 وسقوط الجولان تحت الاحتلال الإسرائيلي، مشيراً إلى أن حافظ الأسد كان حينها وزيراً للدفاع، كما استشهد بعبارة منسوبة إلى النظام بعد الهزيمة حول خسارة الأرض وبقاء النظام، في مقابل موقف منسوب إلى كمال جنبلاط قال فيه: «ليتنا خسرنا بعض الأنظمة وبقيت الأرض».
ورأى جنبلاط أن تقاطع المصالح ظهر لاحقاً في ملفات منظمة التحرير الفلسطينية، والترتيبات التي استقرت على جبهة الجولان وخط الفصل والمنطقة منزوعة السلاح، إضافة إلى التحولات التي شهدها جنوب لبنان، من الوجود الفلسطيني إلى صعود حزب الله.
كما اعتبر أن سياسات إضعاف الغالبية السنية والتعامل مع الأقليات باعتبارها كيانات سياسية منفصلة أسهمت، من وجهة نظره، في خدمة المصالح الإسرائيلية بالمنطقة.
وتبقى هذه الاستنتاجات قراءة سياسية قدمها جنبلاط لطبيعة العلاقة بين نظام الأسد وإسرائيل، ولا ينبغي التعامل معها باعتبارها حقائق مثبتة بحد ذاتها.
شهادة عن الماضي ورسالة للمستقبل
تكشف شهادة وليد جنبلاط عن مسار متقلب في علاقته بدمشق، بدأ بالخصومة بعد اغتيال رفيق الحريري، ثم المصالحة والعودة إلى دمشق عام 2010، قبل أن تنتهي العلاقة مجدداً بعد أشهر قليلة من اندلاع الثورة السورية.
لكن أهمية شهادته لا تتوقف عند تفاصيل اللقاءات التي جرت قبل سنوات، بل تمتد إلى رؤيته لمستقبل سورية بعد سقوط النظام.
وتتمحور هذه الرؤية حول قضيتين أساسيتين: تحميل النظام السابق مسؤولية المسار الذي قاد البلاد إلى الحرب والانقسام، والتحذير في الوقت نفسه من تحويل انهيار النظام إلى فرصة لإعادة رسم الجغرافيا السورية على أساس طائفي.
ومن هذا المنطلق، يرفض جنبلاط تحميل طائفة بأكملها مسؤولية جرائم النظام، كما يرفض تحويل الدروز إلى مشروع سياسي منفصل عن سورية.
وبين روايته عن لقائه الأخير ببشار الأسد وتحذيراته بشأن السويداء وجبل العرب، تبدو رسالته الأساسية أن مستقبل الدروز، وفق رؤيته، يجب أن يبقى مرتبطاً بمستقبل سوريا ووحدة أراضيها، لا بمشروع كيان مستقل عنها.
تلفزيون سوريا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى