ثلاثة أهداف لتنظيم الدولة في سورية بعد الأسد

شهد نشاط تنظيم داعش في سورية تحولًا ملحوظًا منذ سقوط نظام بشار الأسد، إذ بدأ التنظيم بتوسيع نطاق عملياته خارج مناطق وجوده التقليدية في البادية وشمال شرقي البلاد، مستهدفًا قوات الحكومة الجديدة وقوات سوريا الديمقراطية، إلى جانب أهداف مدنية ودينية.
ولا تبدو هذه العمليات، وفق المعطيات المتاحة، مؤشرًا على محاولة التنظيم استعادة نموذج السيطرة على مساحات واسعة الذي اعتمد عليه خلال فترة “دولة الخلافة”، بقدر ما تعكس تغييرًا في أسلوب عمله، عبر الاعتماد على الخلايا الصغيرة والاغتيالات والعبوات والهجمات المحدودة.
ويهدف هذا النهج إلى استنزاف القوات الحكومية والأمنية، وإظهار قدرة التنظيم على تنفيذ هجمات رغم خسارته معظم معاقله السابقة، بالتزامن مع العمل على إعادة بناء شبكاته داخل سورية.
نشاط متزايد منذ بداية 2025
ظهرت مؤشرات على توسع نشاط داعش في وقت مبكر من عام 2025، عندما أعلنت السلطات السورية إحباط مخطط لاستهداف مقام السيدة زينب في ريف دمشق.
وفي أيار من العام نفسه، أعلن التنظيم مسؤوليته عن أول هجوم استهدف قوات تابعة للحكومة الجديدة، قبل أن تتوسع عملياته لاحقًا لتشمل مناطق وأهدافًا مختلفة.
وفي حزيران، وقع تفجير انتحاري داخل كنيسة مار إلياس في دمشق، أسفر عن سقوط قتلى وجرحى.
ورغم عدم إعلان داعش مسؤوليته عن الهجوم، قالت السلطات السورية إن الخلية التي نفذته مرتبطة بالتنظيم، وإنها كانت تعد لهجمات أخرى بهدف إثارة الفتنة وتهديد الاستقرار.
وبحلول شباط 2026، أعلن داعش ما وصفه بـ”مرحلة جديدة من العمليات ضد الحكومة”، موجّهًا انتقادات إلى الرئيس أحمد الشرع على خلفية سياسات دمشق وانضمامها إلى التحالف الدولي لمحاربة التنظيم.
خلاف قديم بين داعش والشرع
ويرى الخبير في الجماعات الإرهابية الدكتور مصطفى أمين أن العداء بين داعش والسلطة السورية الحالية يعود إلى سنوات سابقة، عندما أُرسل أحمد الشرع إلى سوريا بتكليف من زعيم التنظيم آنذاك أبو بكر البغدادي.
وبحسب أمين، رفض الشرع لاحقًا مبايعة “الدولة الإسلامية”، واتجه إلى تأسيس جبهة النصرة ومبايعة تنظيم القاعدة، قبل أن يتحول الخلاف بين الطرفين إلى مواجهة مسلحة.
ومنذ ذلك الحين، ينظر داعش إلى الشرع باعتباره، وفق تعبير أمين، “خائنًا”، كما يصف السلطة الجديدة بأنها جماعة “مرتدة وموالية للغرب”.
واستمرت مجلة “النبأ” التابعة للتنظيم في مهاجمة الشرع والتحريض ضده.
سقوط الأسد غيّر طريقة تحرك التنظيم
وبعد سقوط نظام الأسد، وجد داعش نفسه أمام بيئة ميدانية مختلفة، مع انفتاح المناطق السورية على بعضها وانتهاء حالة الانقسام الجغرافي التي فرضتها سنوات الحرب.
ويرى المحلل السياسي الدكتور حمزة المحيميد، وفق ما نقل عنه موقع “الحرة”، أن التنظيم يستفيد من انشغال الحكومة الجديدة بعدد من الملفات الأمنية والسياسية، بينها التعامل مع المسلحين الموالين للنظام السابق، والتوترات في السويداء، والملف المستمر مع قوات سورية الديمقراطية.
وبحسب الأرقام الواردة في المعطيات، نفذ داعش خلال العام الأول بعد سقوط النظام أكثر من 165 هجومًا ضد الحكومة السورية، بينما أعلنت السلطات تحييد 60 قياديًا في التنظيم وتدمير 35 موقعًا واعتقال 270 عنصرًا.
السجون والمخيمات عامل إضافي
ويربط الباحث السياسي والقانوني فراس الحاج يحيى قدرة داعش على مواصلة نشاطه بعدة عوامل خلفتها سنوات الحرب، من بينها المساحات الصحراوية الواسعة وانتشار السلاح، إضافة إلى ملف السجون والمخيمات التي تضم عناصر مرتبطة بالتنظيم.
وتبرز كذلك مخاوف من محاولات داعش تنفيذ عمليات لتحرير عناصره المحتجزين وإعادة دمجهم في صفوفه، بما قد يمنحه قدرة أكبر على تجديد شبكاته.
وخلال الأشهر السبعة الأولى من عام 2026، وثق المرصد السوري لحقوق الإنسان 67 هجومًا نفذها داعش في سورية، أدت إلى مقتل 53 شخصًا، بينهم 39 عسكريًا وستة مدنيين وثمانية من عناصر التنظيم.
وتصدرت دير الزور قائمة المحافظات من حيث عدد الهجمات بـ34 عملية، تلتها حلب بـ14 هجومًا، ثم الرقة بـ10، والحسكة بثلاثة، فيما سجلت إدلب ودمشق وريفها هجومين لكل منها، وهجوم واحد في كل من حمص وحماة.
استراتيجية مختلفة عن “دولة الخلافة”
ورغم اتساع نطاق عمليات داعش، فإن ذلك لا يعني بالضرورة أن التنظيم بات قريبًا من استعادة الأراضي التي سيطر عليها سابقًا تحت اسم “دولة الخلافة”.
فخسارة تلك المناطق دفعته إلى تغيير بنيته وطريقة عمله، والانتقال من إدارة الأراضي إلى إدارة الشبكات والخلايا. وبدلًا من الاعتماد على تشكيلات عسكرية ومراكز سيطرة واضحة، أصبح يركز على مجموعات صغيرة وتنفيذ الاغتيالات وزرع العبوات وشن هجمات محدودة، إلى جانب توظيف الدعاية والتجنيد.
ويلخص الحاج يحيى أهداف التنظيم في المرحلة الحالية بثلاثة عناوين هي: “البقاء والاستنزاف وإعادة البناء”.
فالعمليات تمنح داعش فرصة للحفاظ على وجوده، وتضع الأجهزة الأمنية والعسكرية تحت ضغط مستمر، كما توفر له مادة دعائية تساعده في إظهار قدرته على العمل رغم خسارته لمناطقه السابقة.
ويحاول التنظيم، من خلال استهداف المدنيين أو المواقع الدينية، التأثير في شعور السكان بالأمن وإثارة المخاوف والتوترات المجتمعية، بما يجعل آثار الهجمات تتجاوز الخسائر المباشرة.
من جهته، يرى النائب في مجلس الشعب السوري محمد بلعاس أن تحركات داعش تصب في محاولة خلق حالة من التوتر وربما صراعات جغرافية محدودة في بعض المناطق، لكنه يعتبر في الوقت نفسه أن التنظيم يمر بمرحلة صعبة، مع استبعاد أن تكون نهايته وشيكة.
وفي المقابل، أدركت السلطات السورية الجديدة خطر داعش مبكرًا، ونفذت عمليات أمنية استهدفت خلاياه وأسفرت عن اعتقال عناصر وقيادات، قبل أن تنخرط دمشق في التحالف الدولي لمحاربة التنظيم، الأمر الذي يوفر دعمًا إضافيًا للجهود الرامية إلى الحد من نشاطه داخل سورية.
الحرة



