اخبار ساخنة

نصف قرن من الحبس الانفرادي.. “هانيبال بريطانيا” يتحدث للمرة الأولى

بعد أكثر من خمسة عقود قضاها في صمت مطبق خلف القضبان، خرج القاتل المتسلسل البريطاني روبرت مودسلي، البالغ من العمر 73 عاماً، عن عزلته الإعلامية ليكشف في مقابلة نادرة مع صحيفة “ديلي ميرور” كواليس حياته داخل السجن، ويبدد واحدة من أكثر الأساطير شهرة التي ارتبطت باسمه طوال سنوات: تلك التي زعمت أنه محتجز داخل “صندوق زجاجي” تحت الأرض، في مشهد استحضرته أفلام هوليوود عن القتلة المتسلسلين.

مودسلي، الذي يحمل الرقم القياسي كأحد أطول السجناء البريطانيين احتجازاً في التاريخ، أمضى أكثر من 17 ألف يوم في العزلة الانفرادية، بعد إدانته بارتكاب 4 جرائم قتل، ثلاثة منها وقعت وهو خلف القضبان. غير أن الصورة النمطية التي طالما رافقت اسمه، عن زنزانة زجاجية شفافة بالكامل، ليست سوى مبالغة إعلامية، على حد قوله.

في تفنيده لتلك الرواية، أوضح مودسلي أن زنزانته لم تكن “صندوقاً زجاجياً” كما روج البعض، بل احتوت على جدار واحد مصنوع من مادة “البيرسبكس” (نوع من الزجاج الأكريليكي الشفاف)، وهو حاجز صمم خصيصاً لمنع وصوله المباشر إلى الحراس وإلقاء الأشياء عليهم أثناء مرورهم بالقرب من زنزانته. وأضاف أن ظروف احتجازه في مراحل سابقة كانت قاسية للغاية، حيث لم يكن يمتلك سوى فراش بسيط وإناء لقضاء الحاجة، وكان يضطر إلى تقليم أظافر قدميه من خلال فتحة صغيرة في باب الزنزانة.

وفي إحدى الفترات، توقف مودسلي عن التعاون مع إدارة السجن، مما أدى إلى بقائه دون حلاقة أو قص شعره لأكثر من عام كامل، في مشهد يعكس عمق العزلة التي يعيشها هذا الرجل الذي قضى نحو 22 ساعة ونصف الساعة يومياً داخل زنزانته.

حكاية بدأت بجريمة وانتهت بسلسلة قتل
تعود جذور قصة مودسلي إلى عام 1974، عندما ارتكب أولى جرائمه بقتل جون فاريل خنقاً، مدعياً أنه اكتشف بحوزته صوراً تتعلق باعتداءات جنسية على أطفال. وبعد الجريمة، سلم نفسه للشرطة طالباً الحصول على مساعدة نفسية، لكن نظام العدالة البريطاني لم يكن يعرف بعد أنه يتعامل مع قاتل سيسجل اسمه في تاريخ الإجرام.

نُقل مودسلي إلى مستشفى “برودمور” للأمراض النفسية، لكن وجوده هناك لم يمنعه من ارتكاب جريمة جديدة، حيث قتل ديفيد فرانسيس، وهو سجين مدان بجرائم جنسية. ومع تصاعد خطورته، انتقل إلى سجن “ويكفيلد” شديد الحراسة، المعروف بلقب “قصر الوحوش”، وهناك ارتكب عام 1978 جريمة مزدوجة بقضائه على سجينين آخرين في يوم واحد، ليصبح مجموع ضحاياه أربعة.

وخلال تلك الفترة، انتشرت أسطورة مفزعة حول مودسلي، حين زعمت تقارير إعلامية أنه فتح جمجمة أحد ضحاياه وأكل جزءاً من دماغه، مما أكسبه لقب “هانيبال بريطانيا” تيمناً بالشخصية السينمائية الشهيرة. لكن التحقيقات الطبية اللاحقة لم تدعم رواية أكل الدماغ، وظلت القصة واحدة من أشهر الخرافات التي نسجها الخيال الشعبي حول هذا القاتل.

عزلة لا تنتهي ورغبة بالبقاء خلف القضبان
المفارقة الأكثر إثارة في قصة مودسلي هي أنه، رغم قسوة ظروف احتجازه، لا يعارض استمراره في السجن بل يؤيد ذلك، معترفاً في مقابلته الأخيرة بأنه قد يقتل مجدداً إذا أُطلق سراحه. لكن اعتراضه يتركز على طبيعة العزلة التي يعيشها، والتي وصفها بأنها أشبه بـ”الدفن حياً داخل تابوت خرساني”، معبراً عن معاناته من فترات طويلة من الاكتئاب نتيجة طريقة تعامل إدارة السجون مع حالته النفسية.

وعلى الرغم من تاريخه الإجرامي، ظهرت في السنوات الأخيرة أصوات تدعو إلى إعادة النظر في ظروف احتجازه، من دون الدعوة إلى إطلاق سراحه. ففي عام 2024، طالب ضابط السجون المتقاعد نيل سامورث بإنهاء العزلة الطويلة لمودسلي، معتبراً أن تقدمه في العمر يستدعي إعادة تقييم وضعه، ومقارناً حالته بالسجين البريطاني الشهير تشارلز برونسون، مشيراً إلى إمكانية التعامل معه بطريقة مختلفة مع إبقائه تحت إجراءات أمنية مشددة.

وفي عام 2025، نُقل مودسلي إلى سجن “وايتمور” في مقاطعة كامبريدجشير، لكن هذا الانتقال لم ينهِ معاناته، بل دفعه إلى الإضراب عن الطعام احتجاجاً على ظروف احتجازه، لتبقى قصة هذا الرجل الذي قضى أكثر من نصف قرن خلف القضبان واحدة من أكثر حكايات السجون البريطانية تعقيداً وإثارة للجدل، وتطرح تساؤلات عميقة حول حدود العقاب والإنسانية في أقسى أنظمة العدالة في العالم.

إرم نيوز

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى