ضربة أبو الظهور.. هل تتحول سوريا إلى ساحة مواجهة تركية إسرائيلية؟

شن جيش الاحتلال الإسرائيلي فجر الثلاثاء عدواناً على مطار أبو الظهور العسكري في ريف إدلب شمال غربي سوريا، في ضربة أوقعت أضراراً مادية في المدرج، تزامنت مع أعمال إعادة تأهيل للموقع في ظل تصاعد التعاون العسكري بين سوريا وتركيا.
ونفذت أربع مقاتلات إسرائيلية 8 غارات على القاعدة، وفق ما نقله التلفزيون السوري الرسمي عن مصدر عسكري، في وقت كانت أعمال تأهيل قد بدأت في الموقع تمهيداً لإعادته إلى الخدمة.
وتثير الضربة تساؤلات بشأن أهدافها الحقيقية، ولا سيما أن المطار يقع على مسافة نحو 70 كيلومتراً من الحدود التركية، فيما تعمل الحكومة السورية الجديدة، بدعم تركي، على إعادة بناء مؤسسات الجيش والأجهزة الأمنية.
وتبنى مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الضربة صراحة مساء الثلاثاء، وقال إن دمشق كانت على “حافة” خرق تفاهم أمني قائم مع إسرائيل من خلال السماح بنشر قوات تركية في القاعدة، وأضاف أن إسرائيل حذرت سوريا مراراً من أن هذا الانتشار يشكل تهديداً لأمنها، وأنها لن تتسامح مع أي تهديد لأمنها، مع الترحيب بالعودة إلى الوضع الذي كان قائماً سابقاً.
وبحسب تصريحات أدلى بها الخبير الأمني السوري عصمت العبسي لـ”عربي21″، فإن صور الأقمار الصناعية أظهرت أعمال تمهيد وترميم واسعة للمدرج الرئيسي للمطار منذ تموز/يوليو الماضي، ما يعني أن الضربة جاءت في اللحظة التي بدأ فيها الموقع يستعيد قدرته التشغيلية.
لكن أهمية الاستهداف، وفق العبسي، لا ترتبط بالمطار وحده، إذ كان أبو الظهور تاريخياً نقطة ارتكاز دفاعية تربط مناطق إدلب وحماة وحلب، فضلاً عن قربه من الحدود التركية، ويطرح ذلك سؤالاً أساسياً حول ما إذا كانت إسرائيل تستهدف من خلال الضربة إعادة بناء القدرات العسكرية السورية، ولا سيما تلك التي يجري تطويرها في إطار التعاون مع تركيا.
ونقلت وكالة “أسوشييتد برس” عن مصادر عسكرية سورية قولها إن وفداً عسكرياً تركياً وصل إلى الموقع قبل الضربة بأقل من 24 ساعة، في إطار خطط لتأهيله وتحويله إلى قاعدة مشتركة بين الجيشين السوري والتركي.
ويرى العبسي أن السؤال الأكثر حساسية الذي تطرحه ضربة أبو الظهور يتعلق بمدى استعداد إسرائيل للذهاب بعيداً في عرقلة التقارب المتسارع بين دمشق وأنقرة.
وخلال الأشهر الماضية، شهد التعاون العسكري بين البلدين تطورات لافتة، شملت مشاركة وحدات من الجيش السوري لأول مرة منذ سقوط نظام بشار الأسد في مناورات “EFES-2026” التركية في إزمير، إلى جانب تدريبات على عمليات جوية ومظلية باستخدام مروحيات تركية.
كما وقعت دمشق وأنقرة في آب/أغسطس 2025 مذكرة تفاهم عسكرية شاملة تضمنت التعاون في مجالات التسليح والمعدات والخدمات اللوجستية والاستشارات العسكرية، وفي أيار/مايو 2026، زارت السفينة الحربية التركية “TCG Meltem” ميناء اللاذقية، في خطوة عكست تنامي التنسيق العسكري بين البلدين.
ويقول العبسي إن هذه التطورات تجعل من إعادة بناء الجيش السوري بالتعاون مع تركيا مسألة تتجاوز البعد الثنائي، لتصبح جزءاً من الحسابات الأمنية الإسرائيلية، مشيراً إلى أن إسرائيل سبق أن أعلنت أن إنشاء قواعد تركية دائمة في سوريا أو نشر منظومات دفاع جوي متقدمة فيها يمثل “خطاً أحمر”.
** نتنياهو ينشر على حسابه في منصة “X” صورة للافتة تحمل صورة تجمع أردوغان وزهران ممداني ومجتبي خامنئي ونعيم قاسم معلقاً عليها:
“لا تدعوهم يفوزون”#عربي21 pic.twitter.com/Vg1tNwyVk0— عربي21 (@Arabi21News) August 16, 2026
ومن هذا المنطلق، يرى العبسي أن غارات أبو الظهور يمكن قراءتها باعتبارها رسالة تحذير إلى أنقرة قبل أن تكون موجهة إلى دمشق، مفادها أن أي محاولة لبناء قدرات عسكرية سورية جديدة بمساعدة تركية قد تواجه تحركاً إسرائيلياً.
تأتي هذه التطورات في وقت تراجع فيه الدور الإيراني في سوريا بصورة كاملة تقريباً عقب سقوط نظام بشار الأسد، وهو ما غيّر طبيعة الحسابات الأمنية الإسرائيلية في الساحة السورية.
ونقلت صحيفة “ديلي صباح” التركية عن مروة سونا أوزل أوزجان، الأستاذة المشاركة في العلاقات الدولية بجامعة كيريكالي التركية، أن استهداف أبو الظهور يجب أن يُقرأ ضمن سياق أوسع يتعلق بالمخاوف الإسرائيلية من القدرات العسكرية التي قد تمتلكها تركيا مستقبلاً في سوريا، موضحة أن القلق الإسرائيلي لا يرتبط فقط بوجود آلية عسكرية جديدة، وإنما باحتمال أن تبدأ القوى الإقليمية في بناء منظومة أمن واستقرار خاصة بها.
وترى أوزجان أن إسرائيل لا تريد قيام دولة سورية قوية وموحدة على حدودها، لأنها قد تنظر إلى هذه الدولة مستقبلاً باعتبارها تهديداً أمنياً، في حين تريد تركيا، على النقيض، رؤية دولة سورية قوية وموحدة وقادرة على حماية حدودها وتحقيق الاستقرار في جوارها.
وأدانت وزارة الخارجية التركية الغارات الإسرائيلية على قاعدة أبو الظهور، معتبرة أنها استمرار لسياسة “العدوان المتهور” التي تستهدف البنية التحتية والقدرات السورية وتنتهك وحدة الأراضي السورية وسلامتها، ودعت أنقرة المجتمع الدولي إلى اتخاذ موقف أكثر حزماً تجاه العمليات الإسرائيلية في سوريا.
كما أدان مدير الاتصالات في الرئاسة التركية برهان الدين دوران الضربة، مؤكداً دعم بلاده سيادة سوريا ووحدة أراضيها، ورفض أي محاولة تهدد السلام والاستقرار في المنطقة.
ويكتسب الموقف التركي أهمية خاصة في ظل عدم اقتصار التعاون بين أنقرة ودمشق على الملفات السياسية، واتجاهه بصورة متزايدة نحو إعادة بناء مؤسسات الدولة السورية، بما فيها المؤسسة العسكرية.
ووفقاً لـ”ديلي صباح”، فإن استخدام الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في الدعاية الانتخابية الإسرائيلية يأتي في إطار محاولة نتنياهو استثمار التهديدات الخارجية لتعزيز موقعه السياسي، في وقت يواجه فيه ضغوطاً داخلية، مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 تشرين الأول/أكتوبر.
ونصب حزب الليكود لافتة انتخابية في تل أبيب تجمع صورة أردوغان إلى جانب صور المرشد الإيراني مجتبى خامنئي، والأمين العام لحزب الله نعيم قاسم، وعمدة نيويورك زهران ممداني، تحت شعار: “يريدون خسارة نتنياهو.. لا تدعوهم يفوزون”، وهي صورة أعاد نتنياهو نشرها عبر حساباته الرسمي.
ولا ينفصل التصعيد في سوريا عن توتر سياسي متزايد بين إسرائيل وتركيا، حيث أوضحت “ديلي صباح” أن الخطاب المناهض لتركيا أصبح أداة متزايدة في التعبئة الانتخابية الإسرائيلية، مع تصوير أردوغان ليس فقط منافساً إقليمياً، بل تهديداً خارجياً يمكن أن يساعد نتنياهو في تعزيز موقعه السياسي.
هذه التطورات تأتي بالتزامن مع قلق إسرائيلي متزايد من التقارب التركي الأمريكي، خصوصاً بعد ظهور مؤشرات على إمكانية حصول أنقرة على مقاتلات “إف-35″، والإطراء المتكرر من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لنظيره التركي أردوغان.
وبحسب تحليل نشرته صحيفة “هآرتس”، بدأ نتنياهو حملة سياسية لمنع حصول تركيا على هذه الطائرات، في ظل العلاقات التي وصفها التقرير بأنها دافئة بين أردوغان والرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
ويرى خبراء أتراك، وفق “ديلي صباح”، أن هذه التطورات لا يمكن فصلها عن التحولات الجارية في سوريا، حيث يمكن للقدرات العسكرية التركية، إذا اقترنت بإعادة بناء الجيش السوري، أن تغير معادلات القوة في المنطقة.
طرحت الضربات الإسرائيلية الأخيرة على سوريا، والتهديدات المتزايدة تساؤلاً عن تحول دمشق إلى ساحة مواجهة إسرائيلية تركية، أو حتى إسرائيلية سورية.
ونقلت “ديلي صباح” عن المحللة السياسية أيلين أونفر نوي قولها إن أنقرة تسعى بصورة أوسع إلى بناء علاقات مع دول مستقرة وقادرة على حماية حدودها، وليس إلى الدخول في مواجهة عسكرية مع إسرائيل.
أما دمشق فتجد نفسها أمام معادلة شديدة التعقيد، فالحكومة السورية الجديدة تحتاج إلى إعادة بناء مؤسسات الدولة، بما فيها الجيش، بعد سنوات من الحرب والانهيار، بينما يمثل التعاون مع تركيا أحد مصادر الدعم الرئيسية في هذه المرحلة.
وأكد الرئيس أحمد الشرع ووزير الخارجية أسعد الشيباني في مناسبات عدة أن سوريا الخارجة لتوّها من حرب دامت 14 عاماً، تسببت في دمار شامل في البنية التحتية، لن تدخل في مواجهة مع أي طرف خارجي.
وفي هذا الإطار، يقول العبسي إن الحكومة السورية الجديدة تتعامل مع الضربات بحذر وواقعية سياسية، إذ أدانت الغارات باعتبارها انتهاكاً للسيادة، لكنها تجنبت الرد العسكري المباشر، وترى دمشق أن الأولوية في المرحلة الحالية هي تثبيت الاستقرار الداخلي وإعادة الإعمار، وأن الدخول في مواجهة مع إسرائيل قد يعقد علاقاتها الناشئة مع تركيا والغرب.
الولايات المتحدة بدورها لا تبدو بعيدة عن هذا المشهد، فالمبعوث الخاص إلى سوريا وسفير واشنطن لدى أنقرة توم باراك قال إن الولايات المتحدة تعمل على إنشاء آلية لفض الاشتباك بين إسرائيل وتركيا وسوريا، عقب الضربة الأخيرة على أبو الظهور.
وقال باراك إن تركيا، بعد رصد طائرات متجهة نحو أراضيها، قد تكون “استعدت بصورة مفهومة” للرد، مشيراً إلى أن واشنطن تعمل على منع تحول التوتر إلى مواجهة مباشرة.
عربي21



